بيان المركز الوطني لحقوق الانسان حول "يهودية الدولة"
ومعارضته للحق في المساواة والمعاملة غير التمييزية
تابع المركز الوطني لحقوق الانسان ما تناقلته وسائل الاعلام العربية والدولية من تصريحات منسوبة لرئيس الوزراء الاسرائيلي وبعض المسؤولين في حكومته من ضرورة اعتراف الدول العربية جمعاء بـ "يهودية الدولة" الاسرائيلية من اجل المضي قدما في "عملية السلام" للصراع العربي الاسرائيلي.
ويرى المركز الوطني لحقوق الانسان ان ما يسمى "الدولة اليهودية" النقية يتناقض مع المعايير الدولية لحقوق الانسان الواردة في الصكوك العالمية والتي تحظر التمييز بجميع اشكاله، وذلك لما يحمله هذا المفهوم في طياته من معان تندرج في اطار العنصرية والاستعمار القائم على طرد العرب الفلسطينيين من أراضيهم وإجلائهم على اساس تمييز ديني والاستيطان محلهم، وهو ما يتصادم مع ما اقرته الشرعة الدولية لحقوق الانسان من مبادىء اساسية تتمثل في احترام حق تقرير المصير وعدم التمييز العنصري "الابرتهايد"، وخصوصا تلك الواردة في بيان "اليونسكو" الصادر عام 1967 والذي اكد على بطلان النظريات العرقية علميا، ونفى وجود أي دليل على ما يسمى بالأعراق النقية، وأوضح بأن الناس جميعا ينتمون إلى نوع واحد هو "الجنس البشري" وينحدرون من أصل مشترك بغض النظر عن بعض الفوارق الجسدية القائمة بين الجماعات البشرية التي تُعزَى إلى الفوارق في التكوين الوراثي او الفوارق في فرص البيئة التي نشأوا فيها.
ويشير المركز الوطني لحقوق الانسان الى أن القانون الدولي لحقوق الانسان رفض المقولات والممارسات العنصرية الرامية إلى التمييز والتفرقـة بين البشر، وصاغ ذلك في منظومة اعلانات واتفاقيات دولية أكدت على المساواة بين الناس جميعا، ورفض كل أشكال التمييز العنصري فيما بينهم، ومن اهمها ميثاق الأمم المتحدة الذي جاء في ديباجته: "نحن شعوب الأمم المتحدة وقد آلينا على أنفسنا أن نؤكد من جديد إيماننا بالحقوق الأساسية للإنسان وبكرامته وقَدْرِه، وبما للرجال والنساء والأمم كبيرها وصغيرها من حقوق متساوية "، كما صدرت وثائق دولية خاصة بتحريم ومحاربة الفصل والتمييز العنصري، وتمثلت فيما ورد في المادة 7 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والمادتين 2 و26 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والمادة 2 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والتي تؤكد جميعها على أن الناس جميعا سواء أمام القانون، وانهم متساوون في حق التمتع بحماية القانون دونما اي تمييز، بالاضافة الى ما ورد في إعلان الأمم المتحدة للقضاء على التمييز العنصري بكافة أشكاله لعام 1963، والذي وصف أي مذهب يقوم على التفرقة العنصرية أو التفوق العنصري بانه مذهب خاطئ علمياً ومشجوب أدبياً، كما وصفه بالظالم والخطر اجتماعياً. وكذلك الاتفاقية الدولية لإزالة كافة أشكال التمييز العنصري لعام 1965 التي اوضحت المقصود بالتمييز والزمت الدول بالامتناع عن الاتيان باي عمل او ممارسة تندرج ضمن اشكال التمييز العنصري في الاقاليم الخاضعة لها، وغيرها من الاتفاقات الاممية مثل الاتفاقية الدولية لمناهضة الفصل العنصري في الألعاب الرياضية لعام 1985، والاتفاقية الخاصة بمكافحة التمييز في مجال التعليم لعام 1960، وإتفاقية القضاء علي جميع أشكال التمييز ضد المرأة لعام 1979 وغيرها.
وينبه المركز الوطني لحقوق الانسان الى أن الجمعية العامة للأمم المتحدة أصدرت قرارا رقم (3379) الصادر عام 1975 والذي أدينت بموجبه الصهيونية بوصفها تهديداً للسلم والأمن العالميين، واعتبرتها "شكل من أشكال العنصرية والتمييز العنصري" وطالبت جميع الدول مقاومة هذه الأيديولوجية العنصرية والإمبريالية، إلا أن هذا القرار تم إلغاؤه عام 1991 تحت ما يسمى النظام العالمي الجديد وتشجيع عملية السلام بين العرب والاسرائيلين.
ويكرر المركز الوطني لحقوق الانسان على ان مفهوم "دولة يهودية" نقية لا ينتهك الحق في المعاملة غير التمييزية بين العرب واليهود جراء الممارسات الاسرائيلية الممنهجة في حق السكان العرب بوصفهم مواطنيين يعيشون في الدولة الاسرائيلية حتى قبل وجودها القانوني الذي حظي بارداة دولية من قبل الامم المتحدة شريطة احترام التزاماتها الدولية بحق السكان العرب، بل ان هذا المفهوم يتعارض مع جوهر المواطنة والقيم الديمقراطية، مما يجعل اسرائيل الدولة الوحيدة في العالم التي يمارس فيها التطابق التام بين الدين والقومية، ومن ثم اعطاء المواطنة على اسس دينية مغلقة تتناقض مع الطبيعية المدنية لتشكيل وتاسيس الدول في عالمنا المعاصر، وخصوصا ان الحجة الوحيدة المستخدمة لتبرير حق تقرير المصير للمجتمع والدولة الاسرائيلية يقوم على مبررات دينية تاريخية يدعى بموجبها حق تاريخي توراتي على الارض. كما ان هذا المفهوم يجعل منها دولة عالمية متخطية للحدود والجنسيات والقوميات بوصف ان اليهودي جزءا من هذ القومية اينما كان، ومن هنا يعد قانون العودة الاسرائيلي الذي يصر على ان اسرائيل هي دولة الشعب اليهودي اينما كانوا، منافيا لمفهوم المساواة بين العرب واليهود في دولة اسرائيل.
ويحث المركز الوطني لحقوق الانسان كافة الدول والمؤسسات العربية والدولية المعنية بمناهضة سياسات التمييز العنصري "الابرتهايدي" على ان تتحمل مسؤولياتها القانونية والانسانية والاعلامية في كشف الممارسات العنصرية "الابرتهايدية" الاسرائيلية، والقيام بدورها في تدويل هذه القضية العنصرية ضد ملايين العرب في فلسطين وتعميمها على اوسع مساحات اممية ممكنة، كما يشدد على ضرورة قيام الامم المتحدة ووكالاتها المتخصصة بالزام الحكومة الاسرائيلية بالمباديء الدولية التي تحظر التمييز بكافة اشكاله.
وجدير بالذكر أن إسرائيل ما تزال تعتبر من الدول القليلة وربما النادرة في العالم التي ظلّت بلا دستور؛ أي أنها دون قانون أساسي يحدد الحقوق والحريات، كما إن التشريعات الإسرائيلية تتحاشى أي نص صريح أو واضح في ما يتعلق بمبدأ المساواة بغض النظر عن القومية أو الدين أو الجنس أو اللغة أو المنشأ الاجتماعي، والتي تؤكدها الشرعة الدولية لحقوق الإنسان الواردة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهدين الدوليين الخاصين بالحقوق المدنية والسياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية‘ وبموجبهما أخذت الدول التزاماً على نفسها بإزالة كل نص يتعارض مع الشرعة الدولية لحقوق الإنسان وإدخال ذلك في دساتيرها، وهي الشرعية ذاتها التي ينص عليها ميثاق الأمم المتحدة الذي اشترط قرار التقسيم رقم 181 لعام 1947 على إسرائيل التواؤم معه.
|