يتابع المركز الوطني لحقوق الإنسان باهتمام بالغ مراحل إقرار القانون المعدل لقانون الجمعيات الذي تقدمت به الحكومة لمجلس الأمة ليناقش في الدورة الاستثنائية الحالية وذلك انطلاقاً من أن الحق في تكوين الجمعيات والانضمام إليها من الحقوق الأساسية التي كفلتها نصوص الدستور، وقصرت دور القانون على تنظيم طريقة تأليف الجمعيات ومراقبة مواردها فحسب، كما أن الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان - التي صادق عليها الأردن وتم نشرها في الجريدة الرسمية - قد أكدت على حق الافراد في تأليف الجمعيات والانضمام إليها، وعلى رأس هذه الاتفاقيات العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي شدّد على أنه لا يجوز وضع قيود على ممارسة هذا الحق إلا تلك التي تشكل تدابير ضرورية في مجتمع ديمقراطي.
وتحقيقاً لأهداف المركز الوطني لحقوق الانسان التي تتمثل في تعزيز مبادئ حقوق الإنسان وترسيخها وتعزيز النهج الديمقراطي لتكوين نموذج متكامل ومتوازن يقوم على إشاعة الحريات وضمان التعددية السياسية، واحترام سيادة القانون. وتفعيلاً لوسيلة وضع التوصيات وتقديم الاقتراحات اللازمة لصون حقوق الإنسان في المملكة كأحد الوسائل التي يملكها المركز لتحقيق أهدافه فقد أولى المركز منذ تأسيسه اهتماماً بالغاً بالحق في تكوين الجمعيات والانضمام إليها، ويظهر ذلك جلياً في تقاريره السنوية التي أفردت لهذا الحق بنداً خاصاً يظهر واقع هذا الحق في التشريع والتطبيق العملي ويبين أهم الانتهاكات التي تعترض ممارسة هذا الحق وفقاً لمبادئ الدستور والمعايير الدولية.
وقد سبق للمركز أن طالب بتعديل قانون الجمعيات رقم (33) لسنة 1966 او وضع قانون جديد يلتزم بنصوص الدستور والمعايير الدولية ويسهم في تعزيز دور ومشاركة الجمعيات في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بحرية تامة وحدد المبادئ التي كفلتها نصوص الدستور الأردني وقواعد الشرعية الدولية لحقوق الإنسان، ومن أبرزها:
حرية تأسيس الجمعيات وتسجيلها عن طريق الإخطار فحسب، وحق كل جمعية في وضع نظامها الأساسي بحرية، وحق الهيئة الإدارية لكل جمعية في إدارة شؤونها دون تدخل من أي جهة حكومية، وحق الهيئة العامة لكل جمعية في انتخاب هيئتها الإدارية بحرية، واحترام الإدارة لنتائج الانتخابات، وأن لا يكون لها حق الاعتراض على عضوية أي شخص في الهيئة الإدارية للجمعية إلاّ من خلال دعوى ترفع أمام القضاء الإداري المختص، وكذلك حق الادارة بمراقبة عمل الجمعيات، فإذا وجدت خروجاً على القانون؛ فتتم معالجته باللجوء إلى القضاء صاحب الصلاحية الأولى والأخيرة، وحق كل جمعية في الحصول على التمويل الداخلي والخارجي شريطة أن تعلن عن مبالغ التمويل التي تلقتها ومصادر هذا التمويل وسبل استخدامه بدقة، وأن تلتزم بنشر ميزانياتها السنوية في الصحف اليومية، بالإضافة لإطلاع هيئتها العامة. وعدم جواز حل أي جمعية إلاّ بموافقة هيئتها العامة أو بقرار قضائي، كما لا يجوز وقف أي جمعية عن العمل إلاّ بقرار قضائي مع التأكيد على أن مدة الهيئة الإدارية المؤقتة لأي جمعية هي (60) يوماً يتم خلالها دعوة الهيئة العامة للجمعية لانتخاب هيئة إدارية جديدة.
وقد تقدمت الحكومة مشكورة بمشروع قانون جديد للجمعيات خلال عام 2008 أقره مجلس الأمة وصدر تحت رقم 51 لسنة 2008 الا أن هذا القانون لم يأخذ بالمبادئ التي نادى بها المركز، وقد قوبل هذا القانون باعتراضات عديدة من منظمات حقوقية أردنية وإقليمية ودولية لعدم التزامه بالمعايير الواردة في المادة (16) من الدستور الأردني والمعايير الدولية لحقوق الإنسان، وخاصة العهد الدولي للحقوق السياسية والمدنية. وقد بين المركز في تقريره لعام 2008 الصادر في شهر أيار من هذا العام أهم الانتقادات لقانون الجمعيات رقم 51 لسنة 2008.
مما دفع المركز لمطالبة الحكومة مجدداً للإسراع في تعديل القانون او إقرار قانون جديدة للجمعيات يستجيب للمبادئ التي نادى بها منذ البداية وقدم ملاحظات مكتوبة لدولة رئيس الوزراء في الاجتماع الذي عقد بين رئيس مجلس الأمناء والمفوض العام لحقوق الإنسان ودولة رئيس الوزراء بتاريخ 8/10/2008، وبما يحقق أيضا مطالب مؤسسات المجتمع المدني التي وعدت الحكومة بأخذها في عين الاعتبار أثناء اللقاء الذي جمع دولة رئيس الوزراء مع ممثلين عن هذه المؤسسات بتاريخ 8/9/2008.
وقد تقدمت الحكومة بمشروع قانون معدل لقانون الجمعيات الحالي تضمن بعض الإيجابيات مثل إلغاء العقوبات السالبة للحرية، وتبسيط إجراءات الحصول على التمويل الخارجي حيث استبدل موافقة مجلس الوزراء بموافقة الوزير، وتخفيض عدد المؤسسين من (11) إلى (7) أشخاص إلا انه لم يتم الأخذ بالعديد من التوصيات التي تقدم بها المركز والتي تركزت على طريقة تأسيس الجمعيات حيث بين المركز أن منح إجراء التسجيل الجمعيات أثراً منشئاً مخالف لأحكام الدستور والاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان كونه يرهن ممارسة هذا الحق بإرادة مجلس إدارة السجل، ويجعل التمتع بالشخصية القانونية للجمعية حكراً على الموافقة والتسجيل. كما لم يكفل مشروع القانون المعدل الاستقلالية اللازمة لمجلس ادارة سجل الجمعيات، حيث انه مؤلف من عشرة أعضاء سبعة منهم ممثلين عن الوزارات المعنية وثلاثة أشخاص من ذوي الخبرة في مجال قطاع العمل الخيري أو التطوعي يعينهم مجلس الوزراء، وطالب المركز إعادة تشكيل المجلس بحيث يتكون من عدد متساوي من ممثلي الوازرات وممثلي الجمعيات. كما تضمن القانون منح العديد من الصلاحيات للسلطة الإدارية مما يشكل تدخلاً مباشراً في عمل الجمعيات، وقد تضمن القانون كذلك العديد من القيود على حق الجمعيات في تلقي الدعم والتمويل للمساهمة في تنفيذ مشاريعها التنموية والخيرية، إضافة إلى منح السلطة الإدارية صلاحيات واسعة في حل الجمعيات.
ومرة أخرى تتقدم الحكومة لمجلس الأمة بمشروع قانون معدل لقانون الجمعيات ولكن لم يتلافى جميع الانتقادات الموجهة إلى القانون وتعديلاته لذا فإن المركز يناشد مجلس الأمة لأن يأخذ ملاحظات المركز ومؤسسات المجتمع المدني لإقرار قانون عصري ينسجم مع الدستور والمعايير الدولية لحقوق الإنسان والتي نادى بها المركز في تقاريره المتعاقبة.
|