حقوق الإنسان في مواجهة الدعوة للكراهية

هذا المقال لا يعبر عن رأي المركز ولكن يعبر عن رأي الكاتب

شكلت مسألة اطلاق بعض الدعوات التي يراها الكثيرون معززة للكراهية والتعصب والعنصرية والتطرف ظاهرة ملفتة ومتنامية بشكل غير مسبوق في مجتمعاتنا العربية عامة والأردنية خاصة.

فقد لوحظ مؤخرا في الأردن تنامي ظهور تلك الدعوات على مواقع التواصل الإجتماعي بشكل خاص وبوسائل الإعلام عموما اما على صيغة رأي او مقال او تعليق او عرض خبر او خطبة او فتوى مما قد يعزز من قيم التطرف والعنصرية الدينية، مثال على ذلك اتهام اي رأي او سلوك يطرحه البعض على ان دوافعه دينية، او رفض اية سلوكيات لمواطنين اردنيين تدعو الى التآخي الديني بين المسلمين والمسيحيين، او الإدعاء بحق الأغلبية المسلمة على « الأقلية» العددية للمواطنين المسيحيين انطلاقا من ان «الإسلام دين الدولة «، رغم تحفظ الكثيرين على استخدام كلمة اقلية،.

ايضا اعجاب البعض وتهليلهم لأية دعوات لإقامة «دولة اسلامية» سواء اعجابا بمشروع ما يسمى بتنظيم «داعش» او غيرها من المشاريع، وتكفير اي رأي يتبناه البعض يمكن اعتباره ليبراليا او علمانيا والمطالبة «بإجتثاثه» من المجتمع، وغيرها الكثير من الطروحات التي تعزز قيم التعصب والتطرف والكراهية المجتمعية.

فالسؤال الذي يطرح نفسه من منظور حقوق الإنسان، الى اي مدى يمكن اعتبار هذه الدعوات مقبولة او مرفوضة وما هي واجبات الدولة في التعامل معها، فهل يمكن اعتبار هذه الدعوات حرية للرأي والتعبير ام حرية للمعتقد ام يجب على الدولة منع هذه الدعوات ؟

ان الأردن كدولة مصادقة على العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية فهو ملزم بكل بنود العهد والتي ينبغي ان تقرأ بشكل متكامل غير قابل للتجزئة، حيث عالج العهد الموضوع المطروح بيننا، فحق كل فرد اعتناق الآراء دون مضايقة، ومن حقه ايضا التعبير عنها بشتى الطرق السلمية كما هو وارد في المادة (19) منه.
كما ان من حق كل فرد حرية المعتقد، اي حقه في ان يؤمن بأي معتقد بمعنى حريته المطلقة في ايمانه بأي معتقد او فكرة كانت وبالتالي لا يجوز فرض اي معتقد على اي انسان كما هو وارد في المادة (18) من العهد.

بالإضافة الى حق كل فرد في التجمع السلمي وتكوين الجمعيات والتي هي بالطبع حريات تتكامل مع بعضها الى جانب حرية الرأي والتعبير والمعتقد، اذا فإن لكل فرد حق في ان يتبني معتقدا ورأيا بشكل مطلق لا يقبل المضايقة او اي شكل من اشكال التضييق او القيود، وله حرية التعبير وممارسة تلك الشعائر الدينية والتجمع السلمي وتكوين الجمعيات بحرية ايضا الا انها قد تقبل التقييد ضمن شروط محددة، وهي ان ينص عليها بالقانون وبالتالي لا تقبل الإجتهاد او القرار الإداري الآني، وان لا تمس حقوق الآخرين وحريتهم وسمعتهم، وان تكون لدواعي الأمن الوطني لاسيما في حالة تهديد وجود الامة ونظامها السياسي ولا يحول ذلك طبعا من النقد السياسي، او لدواعي الصحة العامة مثل انتشار الوباء او النظام العام او الآداب العامة.

ملخص الأمر في الحريات انها حق لكل فرد على قدم المساواة ( بمعنى انها حق عين وليس حق كفاية)، ويكون تبني الآراء والمعتقد حق مطلق، وأن ممارسة تلك الحقوق (الحريات) قد تقبل التقييد ضمن معايير محددة، اي ان يكون القيد ليس مطلقا بل نسبيا وظرفيا وقابلا للطعن ومشروطا بالظروف (المعايير) التي ذكرناها مع الأخذ بتطبيق شرط الضرورة والتناسب.

الا ان هاتين المادتين لم تعالجا بشكل واضح ما يتصل بالدعوة الى الكراهية والتعصب والعنصرية، بمعنى انه قد يتبني شخص ما رأيا او معتقدا ( وهو حق مطلق كما اسلفنا لا يقبل القيد عليه) فيه تطرف او دعوة للكراهية وهو بذات الوقت لم يمس بشكل مباشر سمعة وحقوق الأخرين او حرياتهم، ويصعب ايضا معرفة آثار دعواته على تهديد حياة الامة او نظامها السياسي! فكيف يمكن اذن التعامل مع هذه المسألة.

لقد جاءت المادة (20) من العهد لتعالج هذه المسألة فقد نصت: «1. تحظر بالقانون أية دعاية للحرب 2. تحظر بالقانون أية دعوة إلى الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية تشكل تحريضا على التمييز أو العداوة أو العنف.»

ونستنتج من هذه المادة انه اذا كانت المادتين (18) و (19) قد جاءتا بصيغة سلبية، اي التأكيد على حق وحرية الفرد في تبني آراء ومعتقدات دون قيد او مضايقة مع امكانية التقييد بشروط تشمل فقط ممارسة بعض منها دون ان يمس ذلك مطلقا الحق في تبني المعتقد والرأي، فإن المادة ( 20) قد فرضت التزامات ايجابية على الدولة وهو بأن تفرض الحظر على من يدعو الى تعزيز قيم الكراهية والتعصب والعنصرية والتي قد تفضي الى التمييز او العداوة او العنف، والحظر هنا يعطي مدلولا واسعا اوسع من امكانية فرض التقييد بحيث يفرض التزامات سلبية وايجابية فيشمل بذلك المنع القانوني تحت طائلة العقاب الجزائي، وان تبذل الدولة جهودا لتعزيز قيم وثقافة التسامح واحترام التنوع الثقافي، واذا كان واجب على الدولة حماية الناس من تعدي بعضهم على بعض بحظر الدعوة للكراهية فإنه من باب اولى ان تقوم هي باحترام ذلك اي بعدم اتيان مؤسسات الدولة اية نهج وسياسات تعزز بشكل مباشر او غير مباشر قيم التعصب والتطرف والكراهية والعنصرية، اي ان واجبات الدولة تصبح هنا ايجابية بامتياز تحت مبدأ دورها في الحظر الشامل، وهو ما يستدعي طرح تساؤلات حول مسائل هامة وحساسة في الأردن تتعلق بهذا الدور، مثل الى اي مدى كفل الدستور الأردني ذلك، فهل يكتفي بما نص عليه بضرورة حفظ السلم الإجتماعي ام قد يطال ذلك طرح مسألة هوية الدولة ودينها؟.
وهل نحتاج الى مراجعة التشريعات الوطنية لنعرف الى اي مدى قد حظرت تلك الدعوات، حيث انها في الوقت الذي نصت في قوانين العقوبات والمطبوعات والنشر والإرهاب مسائل لا يشملها القانون الدولي في الحظر او القيد مثل تعكير صفو العلاقات مع دولة اخرى، الا ان النصوص التي نحتاجها في المعاقبة على التمييز والدعوات للكراهية والعنصرية في تلك القوانين ضعيفة وغير كافية.

يضاف الى ذلك ما نحتاجه من تدقيق حساس الى مناهج التعليم ومدى تعزيزها لتلك القيم بشكل مباشر ام غير مباشر والتي نعتقد انها بحاجة الى مراجعة جادة، يضاف الى ذلك الحاجة وبجرأة الى تقويم الخطب والدروس الدينية التي تدعو بعض منها الى الإقصاء والإخراج من الهوية المجتمعية القائمة على المواطنة تحت طائلة المحاسبة دون مواربة.
اعتقد ان الدولة الأردنية وبكل مؤسساتها التشريعية والتنفيذية والتعليمية والإعلامية والحزبية بحاجة الى وقفة جادة من اجل تشذيب سياساتها التشريعية والثقافية والتربوية باتجاه يعزز من قيم التنوع الثقافي واحترام حرية المعتقد والفكر وحرية الرأي ومجابهة كل قوى التطرف والعنصرية والكراهية الظلامية وذلك بوضع معادلة شاملة متوازنة بينهم جميعا، وان التغاضي عن ذلك ووضع الرأس في الرمال وافتراض وردية الواقع سيقود المجتمع نحو المزيد من التطرف والكراهية.

 

رياض الصبح