نص محاضرة المفوض العام لحقوق الإنسان بعنوان "حقوق الإنسان في الأردن"

أولا : حقوق الإنسان كمفهوم :

  1. حقوق الإنسان هي حصيلة أو مجموعة من المبادئ والقواعد الأخلاقية والمعايير السياسية والمفاهيم تتعلق بشكل أساسي بقيم المساواة والكرامة والعدالة والحرية والانعتاق من العبودية ومن الخوف والفاقة إرتبطت هذه الحقوق وما تزال بالإنسان وبوجوده في ظل أي نظام اجتماعي أو سياسي أو قانوني قائم . منبت هذه المعايير والقواعد متعدد : إلهي طبيعي، وضعي ( قانوني / بشري ) . الأساس في هذه الحقوق الإقرار بأن للبشر جميعاً ، بغض النظر عن الإختلاف في الأصل، أو الجنس، واللون، واللغة، والعقيدة، والطبقة الاجتماعية.. الخ كرامة متأصلة في الطبيعة البشرية . ولضمان هذه الكرامة المتأصلة بالذات الإنسانية وتقديراً لها تحتم إشاعة العدل والمساواة وتأمين الحرية والحق في الحياه والأمن الشخصي وقيم أخرى متتابعة في ظل أي نظام أو سلطة .
  2. أستتبع أمر حماية هذه الأخلاقيات والقيم والمبادئ بلورت حقوقاً شخصية وسياسية واجتماعية ومدنية واقتصادية وثقافية لا بد من احترامها في ظل أي إجتماع بشري . وتطورت هذه الحقوق بتطور العمران الإنساني والاجتماعي البشري فاقتضت وجود مجموعة من الضمانات القانونية الوطنية والعالمية لحماية الأفراد والجماعات من ممارسات - أي سلطة - ومن سياساتها وإجراءاتها ، لا سيما تلك التي تمس ما أصبح يعرف بالحقوق والحريات الأساسية للأشخاص .

وتمايزت الحضارات والمدنيات المختلفة وحدت بينها التضاهي بدرجة الضمان الذي توفره كل منها لهذه الحقوق واحترامها حماية للفرد ولكينونته وشخصيته . فالحضارة الهليلينية الإغريقية رفعت مفهوم العدالة ’ والنظام ‘ ومفهوم الحق . كما أعلت المسيحية من شأن السلام وتحدثت البوذية عن التسامح وقبول الأخر ، ونادى زارادشت بالإخاء والطمأنينة وأهمية صفاء العقل .

ونص الإسلام والشريعة السمحة عن الكرامة الإنسانية والحق في الحياة ، وجعلت العدل أساس الملك والمساواة أساس التقوى وجمع الإسلام بين تهذيب النفس وترويضها على الأخلاق وإحترام حقوق الأخرين وسيادة القانون وإقامة العدل في الدنيا والعقاب والثواب في الأخرة لإقناع الإنسان العادي والسلطان على حد سواء بقدسية حقوق الإنسان .

وحديثاً تطورت الضمانات بتلاقح تجارب الأمم وأنصهارها في بوتقة الموروث الفكري الإنساني ليُصاغ هذا الأخير بشكل صكوك وإتفاقيات دولية بعد أن أصبحت الدولة - القومية النمط السائد في الإجتماع السياسي البشري للمجتمعات والأمم والجماعات ؛ ومؤخراً ترسخت هذه الضمانات منذ بزوغ النظام الدولي المعاصر في أعقاب الحربين العالميتين لتصبح التزامات أو تعهداً بالإلتزام ، وأخذت هذه الإلتزامات والتعهدات شكلين :

  1. يتمثل الأول منها بقبول الدولة بتقييدات معينة تضمن حقوق كل من يقيم على أراضيها ( مواطنين وأجانب ) ، ويعتبر التراجع عن هذه الإلتزامات إجحافاً وتعدي على إنسانية هؤلاء ، وبالتالي تشكيكاً بأهلية الدولة وشرعيتها السياسية ومبرراً كافياً لمساءلتها ومحاسبتها .
  2. أما الشكل الأخر فقد تكرس مبدأ أن اقتراف الدولة لما يخالف أو يمس هذه الإلتزامات والتعهدات أو الشروع بمخالفتها يمثل إنتهاكاً لحقوق الأشخاص المضمونه والمعترف بها دولياً حتى أصبح الفرد أحد شخوص القانون الدولي ويتمتع بالشخصية الإعتبارية . وفي كلا الحالتين فقد تأكدنا أن من حق الأفراد الذين يتعرضون للمساس بحقوقهم على يد سلطات الدولة اللجوء إلى وسائل الإنتصاف الوطنية والدولية . وشكلا هذان الأمران ما يسمى ’ بمنظومة حقوق الإنسان ‘ بحيث شملت القواعد والمبادئ والمعايير وبالأليات المتعلقة بتنفيذ هذه المعايير وأحترامها .
  3. يعود الفضل لبلورة هذه المنظومة الحديثة لحقوق الإنسان سواء ما تعلق منها بالمعايير والقواعد ، أو بأليات الحماية والمتابعة كالرصد وتقديم الشكاوي الفردية وقبولها والمساءلة الى منظمة الأمم المتحدة وميثاقها . وهكذا كانت البداية للبعد الدولي والسياسي العالمي لحقوق الإنسان . ولتدخل الدولة في شؤون بعضها البعض لأسباب إنسانية !
  4. إن النتيجة الملحوظة لهذه التطورات هي ما تكرس لحقوق الإنسان من سمات راسخة أهمها : العالمية ، وتمتعها بحماية دولية ، وكونها لصيقة بالإنسان ( أي لا يمكن التنازل عنها ) ، وترابطها وتكاملها ، أي لا يمكن عبر الوفاء ببعضها الإعفاء من الإلتزام بالبعض الأخر ) ، تركز على كرامة الإنسان وتحمي الإفراد والجماعات ( الأقليات ، الأطفال ، النساء ، الأشخاص ذوي الإعاقة ، اللاجئين ) ، ملزمة للدولة وللمسؤولين الحكوميين .

ثانياً : ما هو واقع هذه الحقوق في الأردن ؟
قد يعتقد البعض – وهم الأكثرية – أن الحديث حول واقع حقوق الإنسان في الأردن – أو في أي بلد– هو أمر سهل ؛ حيث يسارع مثل هؤلاء إلى القول أن لا وجود لشيء اسمه "حقوق الإنسان" في الأردن ، ويسردون أمثلة على ذلك ربما من تجارب شخصية ، ومن حوادث منقولة ومتداولة في المحيط العائلي والاجتماعي حول تعامل أجهزة إنفاذ القانون مع أشخاص مطلوبين عاديين في قضايا جنائية أو نشاطات إجتماعية ، أو حول إدارة الجهاز القضائي للعدالة في البلاد ، أو حول قدرات المؤسسات الطبية - الحكومية وغير الحكومية - والمؤسسات التعليمية ( في القطاعين العام والخاص ) أو أداء الوزارات الخدمية فيما يخص قضايا المواطنين وحاجاتهم ومستوى ما يحتاجونه من خدمات . ويمكن أن يجد هؤلاء أمثلة على ما يعتبرونه غياب إحترام لحقوق الإنسان في تعامل السلطات الخشن أحياناً مع الإعلام وحالات التوقيف والحبس والإغلاق في قضايا حرية التعبير أو في التقصير في حماية البيئة أو في غياب الأطر التشريعية المناسبة لتفعيل دور الأحزاب والعمل الحزبي ، أو في وجود العقبات أمام تشكيل الجمعيات والنقابات المهنية والمشاركة العامة ، وفي التعامل الخشن مع نشطاء الحراك الشعبي سابقاً .. الخ.

وبالمقابل قد يأتي أخرون ويروون أمثلة مغايرة تماماً ؛ فيشهدون على إنجازات بارزة للدولة وللأجهزة والمؤسسات ، وعلى تقدم غير مسبوق أو لا مثيل له على الأقل ( مقارنة بدول الإقليم وخارجه ) في المجالات السابقة جميعاً . فيُشيد هؤلاء بإلتزام رجال الشرطة بضبط النفس أثناء فض مئات الإعتصامات خلال السنوات الثلاث الأخيرة ، ويستذكرون الأمثلة حول نزاهة وكفاءة القضاء وفاعليته في حماية سيادة القانون وتحقيق العدالة وأنصاف المواطنين ، ومثل ذلك قد يسمعونا كثيراً من التقدير والإشادة بجهود كوادر وزارة الصحة في توفير الخدمة الصحية اللائقة للمواطنين ، وجهود وزيري التربية والتعليم والتعليم العالي في معالجة التراجع والضعف في مستويات التعليم وفي التعامل مع قضايا عدم المساواة أو التمييز في هذا المجال الحيوي ؛ وكذلك الأمر حول دور وزارة التنمية الاجتماعية ’ الرائد ‘ في حماية حقوق الطفل والأشخاص ومراقبة دور الإيواء والرعاية الخاصة بالأشخاص المسنين ودور رعاية الأحداث وذوي الإعاقة ومحاربة العنف ضد المرأة والسعي لتمكينها اقتصاديا ومحاربة التمييز ضدها في القطاع العام ... الخ .

غير أننا في المركز الوطني لحقوق الإنسان المؤسسة الوطنية التي أنشأت بقانون وطني وتعمل بمعايير عالمية وأوكل لها مسؤولية رصد ومتابعة أوضاع حقوق الإنسان في المملكة استناداً الى ثلاث مرجعيات هي : الشريعة الإسلامية السمحة والموروث العربي الإسلامي ؛ الدستور ؛ ثم الصكوك الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان نجد أنفسنا في حالة اتفاق واختلاف مع وجهتي النظر الأنفتي الذكر في أن واحد ، وبشكل مستمر.

فالمركز بحكم القانون يجب أن يكون مستقلاً بالكامل . وقد ضمنت له الدولة هذا الإشتراط . ويبدأ دوره بتقديم النصيحة والمشورة للمؤسسات الرسمية بوضوح ودون مجاملة أو مواربه ، ويرصد الانتهاكات ويعمل على معالجتها وإنهاءها وتحقيق الإنتصاف للضحايا . وقد نجح أحياناً ، وفشل أحياناً ، وعجز أو إحتار في أحايين أخرى . وعندما يعجز بشكل كامل عن إحداث النتيجة الإيجابية المطلوبة كمعالجة إنتهاك معين سواء تعديل تشريع يخالف المرجعيات المذكورة أعلاه أو تصحيح سياسات تجحف حقوق الإنسان أو وقف ممارسة غير سليمة فإنه يبادر باللجوء إلى الرأي العام الأردني ؛ طبعاً ليس بطريقة التشهير أو التشويه أو الشكوى للإتحاد الأوربي أو للمنظمات غير الحكومية الدولية ، بل يخاطب أصحاب الحق والسيادة وهم الشعب ، وبشكل موضوعي وعلى أساس الحقيقة المجردة . وهناك أمثلة عديدة على هذا النهج .

وفي جعبتي وجعبة كل زميل وزميلة في المركز كثير من الشواهد على كلا النظرتين السابقتين . وطبعاً لا أصف أي منها بالنظرة السلبية أو الإيجابية ، ولا أستطيع أن أقول أن أحدهما أقرب إلى أو أبعد عن الحقيقة . فالحقيقة تشمل شيئاً من هذه الإمرين . أما نسبة كل من هذين الأمرين في تشكيل هذه الحقيقة فهي موضوع الخلاف ، وتحديدها هو التحدي الأكبر . ولأنني أتحدث عن دور المركز الوطني لحقوق الإنسان – المؤسسة الوطنية المستقلة والتي تعمل بموجب معايير دولة دقيقة لمراقبة أوضاع حقوق الإنسان بشكل شامل في الأردن وتتمتع بتصنيف (أ) لدى مؤسسة الإعتماد الدولية المعنية بذلك بصورة أمينة ومسؤولة ؛ والتي قبلت لها الدولة هذا الدور وبشكل عام رغم تجاوز بعض المسؤولين ، ( وإن كان ذلك في زمان الماضي ) فأنني لن أحاول التهرب من مواجهة هذا التحدي .

كما أنني ولاعتبارات شخصية موضوعية مطلع على حيثيات كل من وجهتي النظر اللتين سبق ذكرهما. فقد شاءت الظروف – أو الأقدار إن شئتم – بأن أكون من قدم بإسم الحكومة تقرير الأردن أمام مجلس حقوق الإنسان بموجب ما يعرف بالمراجعة الدورية الشاملة الأولى في شهر شباط من عام 2009 . وكما يعرف كثيرون منكم فقد كانت النتيجة مرضية . في تلك المراجعة قدمت عدد من الدول عدد من التوصيات أعلنت الحكومة قبول بعضها ، ووعدت بدراسة البعض الأخر ، ثم (إعتذرت) الحكومة من خلال الوفد عن قبول عدد أخر .

ثم ها هي الظروف – أو الأقدار أيضاً – تشاء لأن أتولى إعداد تعليق المركز الوطني لحقوق الإنسان حول تقرير الأردن (الحكومي) الثاني في الدورة الثانية للمراجعة الدورية الشاملة ذاتها أمام مجلس حقوق الإنسان في شهر تشرين أول من عام 2013 هذا التقرير الذي قدمه بأسم الحكومة معالي وزير الدولة لشؤون الإعلام . كما وأن أشرف على إعداد تقرير الظل الموازي للتقرير الحكومي الذي يطلبه مجلس حقوق الإنسان عادة من المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان القائمة في البلد الذي يخضع للمراجعة . واليكم بإختصار بعض ما جاء في التعليق وفي تقرير الظل هذا ، بإعتبار أن ذلك يسلط الضوء على واقع حقوق الإنسان في الأردن على الأقل لتاريخه.

فقد تمحورت التوصيات التي قدمتها أثناء المراجعة الدورية الشاملة في الحالتين الاولى والثانية (15/2/2009) و (23/10/2013) على جوانب محدودة ومحددة من المسائل التالية :
حقوق المرأة والطفل / متطلبات السلامة الجسدية بما في ذلك الانتهاكات الواردة والموثقة والمدعى بها لاتفاقية مكافحة التعذيب / أوضاع مراكز الإصلاح والسجون والتوقيف الاداري / واقع حرية التعبير / العقبات التي تعترض الحق في تشكيل الجمعيات والاحزاب والنقابات المهنية والعمالية ، والثغرات في اجراءات نزاهة الانتخابات العامة / وحول استقلال القضاء / وحقوق العمال المهاجرين ، والتعامل مع اللاجئين . وبشكل عام أكد المركز في هذا الصدد المركز الوطني في حينه أي قبل عام ونصف تقريباً على الامرين الآتيين :

  1. هناك تقدم ملموس في مجال احترام حقوق الانسان في تلك الموضوعات شمل التشريعات ( في العديد من تلك المسائل ) ، والسياسات ، وكذلك الممارسات في مناسبات كثيرة . وجاء جزء كبير من هذه الضمانات في سياق التعديلات الدستورية المعروفة والتي اقرت عام 2011.
  2. بالرغم من التطورات الايجابية الملموسة في اكثر من مجال لا تزال هناك ثغرات ، واحيانا انتهاكات ، في عدة اوجه يرى المركز الوطني ضرورة معالجتها من خلال صياغة خطة وطنية لحقوق الانسان من قبل الحكومة .

اما هذه الإنتهاكات وأوجه القصور والثغرات هذه فتشمل: عدم ضمان حقوق من يتم حجز حريتهم خلال مراحل التحقيق الاولي بشكل أو بأخر - وفي حالات كثيرة ؛ غياب وسائل حماية قانونية فعالة لضحايا التعذيب في حال وقوعه ، وتوثيق واقعة التعذيب واثباتها ؛ التحقيق المستقل في ادعاءات التعذيب والمعاملة القاسية واللاإنسانية الواردة في حق أجهزة إنفاذ القانون من هيئات تحقيق مشكلة من ذات الجهة التي ترد الشكاوى بحقها مما يعني أن هذه الجهات تقوم بدور الخصم والحكم ، الأمر الذي ينتقص من حياد هذه الهيئات وصدقية النتائج والأحكام التي تتوصل اليها ، ويعطي مبرراً للإتهام بوجود ما يعرف بظاهرة ’الإفلات من العقاب في الأردن ‘. كذلك هناك حاجة لتعزيز استقلالية القضاء والقاضي الاردني بإنهاء تبعية الكادر الوظيفي المساند للمحاكم لوزارة العدل . والاسراع في تطبيق المادة الدستورية التي تنص على محاكمة المدنيين امام المحاكم النظامية ، وكذلك مراجعة قانون الارهاب للعام 2007 وتعديلاته النافذ لتقاطعه مع المعايير الدولية والنصوص الدستورية المتعلقة بضمانات المحاكمة العادلة . ازالة اي قيود على حرية التعبير والحق في التجمع السلمي والحق في الحصول والوصول الى المعلومة لضمان التوافق والانسجام مع معايير حقوق الانسان التي كفلها الدستور والمعايير الدولية . من جهة ثانية لا بد من تعديل قوانين الاحزاب والجمعيات وقانون العمل لإزالة اي عوائق قد تقف امام حقوق المواطنين في المشاركة العامة وفي تشكيل الهيئات المدنية والحزبية والنقابية التي كفلها الدستور ، ونصت عليها المعاهدات الدولية التي التزمت بها الدولة الاردنية.

السيدات والسادة ،

شهدت المملكة كما تعرفون مئات الاعتصامات ونشاطات الحراك منذ بدء الربيع العربي عام 2011 وحتى نهاية عام 2014 . وفي غالبية الحالات والاوقات تعاملت اجهزة انفاذ القانون معها بمهنيه لاسيما الالتزام بمبدأي " الضرورة والنسبية " " والتدرج " في استخدام القوة عندما تطلب الامر فض تلك الاعتصامات والنشاطات الجماهيرية بالقوة. لكن بالمقابل وقعت حالات تم فيها انتهاك حقوق المواطنين . ووردت شكاوى للمركز إدعى أصحابها بالتعرض لممارسة المعاملة اللاإنسانية والمهينة ، وحتى في حالات محدودة تعرض مواطنون للتعذيب دون قيام تحقيق مستقل ومحايد لمحاسبة المسؤولين . وقد تحقق المركز من صحة عدد من هذه الشكاوى . وقامت إدارة الأمن العام بمحاسبة بعض المخالفين ، ونفت صحة الكثير من تلك الشكاوى . وهنا الإشكال . فرغم ما يقوم به جهاز الامن العام عادة من تشكيل هيئات قضائية من داخله توقع عقوبات ربما ملائمة بحق مرتكبي الانتهاك ، لكن تبقى الشفافية والحيادية غائبة عن مثل هذه الاجراءات ( على اهميتها ) مما يخلق الانطباع باستمرار ظاهرة ’ الافلات من العقاب ‘.

وفي سياق البعد الأمني هناك حاجة ماسه لمعالجة مسألة طول مدد وفترات التوقيف - سواء القضائي أو الاداري ، خاصة بحق نشطاء الحراك والاحتجاجات السلمية ؛ وأحياناً قضايا حرية التعبير أو ما يعرف بإطالة اللسان ؛ والأهم ضرورة محاكمتهم امام محاكم مدنية بالكامل وليس بموجب قانون الإرهاب ، وعن طريق مدعي عام محكمة أمن الدولة .

اما في ما يتعلق بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ورغم ما بذلته السلطات و ما تبذله من جهود لتحقيق مستوى مقبول منها للمواطنين ودون تمييز فقد لاحظ المركز تفاقم مشكلتي الفقر والبطالة وتدني مستوى التعليم ، سواء في المرحلة الجامعية او ما قبلها . كذلك هناك حاجة لرفع نسبة الانفاق الحكومي على للعناية بصحة المواطن وتعميم هذه الخدمة – بعد تحسينها – لتشمل المناطق الريفية والحضرية والنائية في المملكة . إن أراء المركز/هذه جاءت نتيجة زيارات ميدانية لـ 49 قرية نائية وتجمع في مختلف محافظات المملكة في عام 2013/2014.

هناك ضعف واضح في قدرة الحكومات المتعاقبة على تحقيق توزيع قريب من العدالة لمكاسب التنمية بين المحافظات . وكذلك معالجة الفجوة المتنامية بين الأثرياء والفقراء.

وفي مجال حقوق العمال ورغم حصول تطورات ايجابية في جوانب كثيرة منها الا ان اجراءات الحكومة قد قصرت عن الاخذ بعين الاعتبار سن التشريعات ووضع الأنظمة للدفاع عن حقوق ارباب العمل خاصة مستخدمي عاملات المنازل في حال مخالفة العامل للالتزامات التي تترتب على المستخدم كترك مكان العمل او الهروب او عدم القدرة على القيام بالعمل الذي تم التعاقد مع صاحب العمل لأجل تنفيذه . لقد إكتشف المركز عملة تزوير واسعة وادعاءات غير صحيحة بسوء تصرف مزعوم ومنسوب إلى ارباب العمل من أجل التنصل من الإلتزام تجاه هؤلاء والتهرب بطريقة غير قانونية بمساعدة أشخاص يمارسون السمسرة وربما الإتجار بالبشر ولو بشكل محدود وبشكل سوق سوداء في سوق عاملات المنازل ..

اخيرا بالرغم من الجهود المبذولة لمجابهة العنف والتمييز في المعاملة والعمل بحق المرأة وكذلك تمكينها وتعزيز مشاركتها في الحياة العامة وفي صناعة القرار الا ان اشكالا من العنف والتمييز وقدراً من عدم المساواة لا تزال قائمة في عدد من القوانين والتشريعات وفي بعض السياسات وكذلك في اشكال متكررة من الممارسات وثقتها تقارير المركز بشكل مناسب . وتأتي هذه الممارسات السلبية في حق المرأة والأطفال نتيجة موروث ثقافي اجتماعي يحتاج تغييره لجهود توعوية واسعة وتعديل بعض التشريعات وتغيير الكثير من السياسات . وقد توصل المركز الى نتيجة مفادها أن المعاناة الأهم للمرأة ليست ناتجة عن قصور التشريعات وعدم التمكين أو غياب التمثيل السياسي المناسب لها (على أهمية ذلك) بل نتاج الثقافة والعادات الإجتماعية وغياب التمكين الإقتصادي ، ويرى أن تكون الأولوية للتركيز في جهود المناصرة على هذا الجانب دون إهمال الجوانب الأخرى طبعاً .

الحضور الكرام ،

إن ما جاء ذكره أعلاه سواء في تقرير الظل الذي قدمه المركز بتاريخ 19 أيلول 2012 أو في التعليق على التقرير الحكومي أثناء المراجعة الدورية الشاملة الثانية عمره سنتان ونيف . ولذلك أصبح بعد سلسلة من جهود المركز وأطراف عديدة أخرى وطنية في إطار العمل على تغيير السياسات الرسمية والفهم الحكومي تجاه حقوق الإنسان بحاجة إلى تحديث . لذلك فإن للقصة تكملة تحتاج إلى تفصيل أكبر ، أوجزها تالياً :

لقد سلم رئيس مجلس الأمناء آنذاك - معالي الأستاذ طاهر حكمت - والمفوض العام تقرير المركز السنوي التاسع للعام 2012 حول أوضاع حقوق الإنسان في شهر تموز 2013 إلى جلالة الملك من قبل ، وضم هذا التقرير أكثر من ستين توصية تطالب إما بتعديلات على القوانين النافذة أو بالدعوة لتغيير كثيراً من السياسات المتبعة ، خاصة لجهة ما تتعلق بحقوق الإنسان في الاستراتيجيات والخطط العملية للحكومة ومؤسساتها وأجهزتها التنفيذية وللسلطة القضائية ، وكذلك العمل على معالجة بعض الممارسات التي تنتهك حقوق المواطنين في القضايا التي ورد ذكرها قبل قليل . والحقيقة أن المناسبة كانت مواتيه للتأكيد أمام جلالته على الملاحظات التالية :

أ‌- إن جل ما في هذا التقرير المذكور من توصيات هي تكرار لتوصيات وردت في تقارير سابقة دأب المركز على إصدارها سنوياً . وربما تعاملت مع بعضها تقارير أعدتها جهات أخرى وإن كان ذلك على طريقة تلك الجهات من حيث متطلبات الحيادية والموضوعية والتوازن؛ وأن الأمر أصبح بحاجة إلى خطوة جديدة أو إجراء نوعي في التعامل مع هذه التوصيات ، ولذلك فإن الكلمة أو العبارة الأساسية في ذلك التقرير الشهير ( إن شئتم ) هي " التطبيق لهذه التوصيات " .

ب‌- إن المدخل المناسب لمثل هذا التطبيق هو وضع خطة وطنية لحقوق الإنسان تبين وصفاً موضوعياً لواقع الحال فيما يتعلق بحالة حقوق الإنسان في الأردن بحيث يتم تحديد الثغرات والقصور والإنتهاكات سواء كان ذلك في التشريعات أو في السياسات أو في الممارسات ، ثم وضع تصوراً واقعياً لمعالجة مثل هذا القصور والثغرات و/أو الإنتهاكات على الصعد الثلاثة المذكورة أعلاه ، وفي إطار زمني معقول وحسبما يمكن لمؤسسات الرسمية إنجازه في ضوء قدراتها الفنية والمادية ، مع التأكيد أن حقوق الإنسان كل متكامل وكذلك القناعة أن هذه الحقوق ليست نقيضاً للأمن الوطني أو الإستقرار ؛ لا بل إن ما تقصده حقوق الإنسان وتبتغيه بالأساس هو تحقيق الشرعية السياسية والعدالة الإجتماعية ؛ وأي عناصر أفضل من هذين العنصرين يمكن أن يدعما الأمن والسلم الإجتماعي والإستقرار والتقدم في أي دولة أو مجتمع سياسي .

جـ- إن دور المؤسسات الوطنية التي تنشئها الدولة عادة وبموجب المعايير الدولية المعروفة بمعايير باريس لعام 1993 ليس شن حملات التشهير والتجريح بالدولة او مؤسساتها. لكن بالمقابل ليس دورها مجاملة الدولة والأجهزة ومسايرتها والتغطية على الإنتهاكات . فالمركز الوطني لم ولن يقبل أن يخرج عن المعايير الدولية التي أنشيء بموجبها وكرسها قانونه الوطني ، ويتبنى أي من النهجين السالفين ( التشهير والمناكفة والمعارضة السياسية أو المجاملة وغض الطرف عن الانتهاكات ) . ولا نرى أن الحكومة (الحالية على الأقل) تسعى لذلك أو أن لديها توجهاً لدفع المركز في أي من الاتجاهين المذكورين . مما يعطينا درجة من الطمأنينة .

لذلك لم يكن من الصعب أن يتوافق مجلس الأمناء على أن عام 2012 قد مثل انعطافه في نظرة الدولة لموضوع حقوق المواطن وحرياته ، وأن الفشل من قبل المركز وقيادته في إدراك ذلك يعني تقاعساً وجموداً في النهج والتفكير لا مبرر لهما . فلقد كانت هناك لجنة الحوار ومخرجاتها – بغض النظر عن إجهاض تلك المخرجات فيما بعد ، وكذلك التعديلات الدستورية ، التي وإن لم تكن شاملة ، فإنها مثلت تطوراً بارزاً خاصة فيما يتعلق بالضمانات الدستورية للحقوق والحريات حسب المادة رقم (128) وتحريم التعذيب وإنشاء المحكمة الدستورية والهيئة المستقلة للإنتخاب . كما جاء تشكيل اللجنة الملكية لصياغة ميثاق النزاهة الوطني في نهاية عام 2012 برئاسة دولة رئيس الوزراء د. عبدالله النسور حيث تم وضع صيغة لميثاق نزاهة وطني مثل برأي الشخصي خطوة جديدة في التوجه للإنفكاك الرسمي – ولو بشكل أقل من الطموح عن المرحلة السابقة وسلبياتها . وكذلك إنشاء اللجنة الملكية لمتابعة تطبيق هذا الميثاق . وكان المركز الوطني ممثلاً في الهيئتين ، فالأخيرة يمثل المركز فيها أ . د . محمد عدنان البخيت / رئيس مجلس الأمناء .

السادة الحضور ،

لقد توصل أغلبية الأعضاء في مجلس الأمناء أن هناك فرصة لتطوير الإرادة السياسية والخطاب الرسمي المنفتح على المجتمع بدلاً من تجاهل ذلك ، سيما وإن إحترام حقوق الإنسان وصياغة كرامة المواطن وتفعيل حكم القانون وتعزيز إستقلال القضاء والإنفتاح على الإعلام وإطلاقه حرية الرأي والتعبير تمثل مجتمعة أدوات وأليات وكذلك أهداف ، للإنتقال بالأردن إلى مرحلة جديدة بعيدة عن حالة الاستعصاء وإنسداد الإفق في العملية السياسية تلك الحالة التي كانت المحرك الأول وراء خروج المواطنين إلى الشارع مطالبين بالإصلاح والتغيير السلمي لكثير من السياسات . فالمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان – والمركز الوطني لحقوق الإنسان أحدها– لا تعمل من فراغ ، بل عليها أن تعي الإطار السياسي والإجتماعي والبيئة الثقافية والإقتصادية التي تعمل في سياقها . وأن تستغل أي فرصة إيجابية للدفع نحو خلق وتعزيز البيئة الحاضنة لحماية وتعزيز حقوق الإنسان .

هذا ليس حلماً أو وهما . كما أنه ليس تغييراً جذرياً في واقع حقوق الإنسان في المملكة من وجهة نظرنا ، أو على الأقل من وجهة نظر المفوض العام . إنها بداية لسيرورة كان التوجيه الملكي لكن من دولة رئيس الوزراء الحالي ورئيس المجلس القضائي ( ضمن صيانة إستقلال القضاء)بدراسة التوصيات الواردة في تقرير المركز التاسع وتنفيذها حجر الأساس فيها . وللحقيقة نلمس في المركز تجاوباً إيجابياً من حكومة د. عبدالله النسور ومن معالي رئيس المجلس القضائي وكذلك دعماً واضحاً من السلطة التشريعية ، ورئيسها ، ومن رؤساء اللجان التي يتعامل معها المركز.

السيدات والسادة ،

يقول المثل الهندي الله وحده والمجانين يمكن أن يتنبؤا بالمستقبل – الذات الإلهية لقدراتها اللامحدودة ، أما الفئة الأخرى فلعدم اكتراثها بالعواقب .

لذلك لن أحاول التنبؤ بما ستكون عليه مآلات هذه السيرورة الوطنية . فقد تحققت عدة خطوات إيجابية ملموسة أبرزها صدور تقرير حكومي علني تفاعلاً مع تقرير المركز المشار اليه اعلاه. وتم الإعلان عن إنشاء موقع المنسق الحكومي لحقوق الإنسان الذي تولى عملية التنسيق المؤسسي بين مختلف الهيئات والجهات الرسمية الذي يشرف عليه ويرأسه الزميل باسل الطراونة . وصدرت عن دولة الرئيس تعاميم وتوجيهات هامة للوزارات أبرزها الطلب الى جميع المؤسسات الحكومية العمل على موائمة قوانينها وسياساتها مع المعايير المتعلقة بحقوق الإنسان الدولية والوطنية لا سيما الدستور وهذا إجراء وتوجه نوعي ولا يجب المرور عليه مرور الكرام ؛ والأهم كان تشكيل لجنة مشتركة برئاسة وزير العدل وعضوية ممثلين عن المركز الوطني وديوان التشريع ونقابة الصحفيين واللجنة الوطنية لشؤون المرأة ولوضع خطة وطنية لحقوق الإنسان .
أذكر هذه الخطوات – وبعجالة - ليس للحديث نيابة عن الحكومة أو للترويج لجهودها ولكن ضمن دورنا في رصد وتوثيق أي تطورات – سلبية كانت أم إيجابية - تمس حقوق الإنسان أو تتعلق بها ؛ ولا يضير المركز التوثيق الإيجابي لأي مبادرة رسمية إيجابية تعزز مستوى حقوق الإنسان في المملكة في تقريره.

ولا يضايقني كمفوض عام وعضو اللجنة المكلفة وضع خطة وطنية الإشارة إلى أن ما يجري في الأردن بهذا الشأن يمثل تجربة فريدة في تعامل الحكومة والمركز الوطني كمؤسسة وطنية لحقوق الإنسان وبمشاركة المجتمع المدني في إتجاه تطوير " منظومة وطنية لحقوق الإنسان ومأسستها (وكما أوعز جلالة الملك) وعلى اساس الشراكة بيتن الأطراف الأساسية في هذه العملية الحكومة والمركز الوطني ومنظمات المجتمع المدني والإعلام دون أن يتخلى أي فريق عن استقلاليته وولايته أو دوره الأساسي سواء الرقابي ؛ بالإضافة إلى تقديم المشورة والمشاركة في إعداد التقارير الوطنية والمناصرة على الأقل بالنسبة إلى للمركز الوطني.

السادة الحضور ،

إن هذا الجو الإيجابي والإرتكاز الى ما يعتبر إرادة سياسية عليا جدية والمبادرات الحكومية الملموسة والتغير البادي في النظرة الرسمية لمفهوم حقوق الإنسان لا يجب أن يحول دوننا ودون الإستمرار في قياس النبض ودرجة حرارة الواقع المتعلق بحقوق الإنسان في الأردن عبر تدوين قراءات المركز وإدراكه لواقع حقوق الإنسان . وعلى النحو التالي

  1. إن الإنتهاء من صياغة الخطة الوطنية في الوقت المناسب وبمشاركة فاعلة من مؤسسات المجتمع المدني والأحزاب والنقابات والنخب الفكرية ، وتضمينها – أي الخطة - إقتراحات وإهتمامات الأطراف كافة ، ووضع خطة تنفيذية بالأطر الزمنية المعقولة وتوفير الإمكانات المادية والفنية واللوجستية لها يمثل خطوة هامة ومؤشر واضح على الجدية والصدقية التي تبديها المؤسسات الحكومية في تعاملها مع قضايا حقوق الإنسان ، ونأمل أن يستمر هذا التوجه ويتطور ويترسخ من خلال مأسسته وقوننته .
  2. إن كثير من القضايا العالقة يمكن معالجتها بتطوير الممارسة وتحسين السياسات الرسمية ورفع درجة الوعي والفهم لحقوق الإنسان لدى كل من المسؤولين والأجهزة والمواطنين .
  3. هناك عدة قضايا محددة تحتاج إلى تغيير حقيقي في نظرة الدولة للمواطن والمجتمع . وقد لا ينفع معها مجرد تحسين الممارسات أو تبني خطاب سياسي – إيجابي أو على أساس عملية علاقات عامة جيدة . وأذكر في هذا الشأن موضوعات رئيسية أساسية مثل تعديل عدد من التشريعات المتعلقة بمكافحة الإرهاب والحق في الحصول على المعلومات ، وعدم محاكمة المدنيين على جرائم غير إرهابية بموجب قانون مكافحة الإرهاب وتعديل قانون محكمة أمن الدولة ، وإصلاح النظام التعليمي ومحاربة الفساد والواسطة والمحسوبية بشكل مقنع ، وتحقيق مستوى لائق من العناية الصحية للمواطنين وتقليص بؤر الفقر والبطالة .

إن كل من النظام التعليمي والنظام الصحي وأفاق أخرى شبيهة من المقومات الضرورية للإستقرار الإجتماعي على وشك أن تخذل المواطن والمسؤول على حد سواء . كما أن إستقلال القضاء وإستقلال القاضي أمر يحتاج إلى نظرة جدية من الداخل بالرغم من الإنجازات والجهود الدؤوبة والقيمة التي يبذلها القائمون على الجهاز ولا نقول السلطة القضائية . فما يتحراه المركز بأمانه وموضوعية من إشكالات هي في إطار الجهاز وليست في صميم السلطة القضائية . وهي ليست عامة بل فردية وليست مؤسسية أو نمطية بل سلوكيات محدودة وتأثيرها السلبي ينحصر أنها تخدش المظهر فقط ولا تمس الجوهر . لذلك نطالب بالاستمرار في هذه الجهود الهادفة الى تعزيز القضاء وفاعليته وتكريس استقلاليته ونزاهته .

أما مسألة الحق في التعليم وإصلاح التعليم فهي أولى الأولويات وقد أصبحت أكثر من ملحة .

لقد أن الأوان لأن يعاد تصحيح الهرم ليقف ويرتكز على قاعدته وليس على رأسه كما هي حال التعليم الأن . إن وصول 85% من مجموع الطلبة الذين ينهون المراحل التعليمة الثلاث إلى الجامعات (سواء الحكومية أو الخاصة) يخالف كل القواعد المألوفة . فالأساس أن من يصلوا إلى الجامعات يجب الا يتجاوزا 20% من طلبة التعليم العام حتى يرتكز التعليم على قاعدة أمنة ومستقرة .

إن دور نظام التعليم ليس اشباع حاجة إجتماعية لدى الأهل والآباء و/أو الاستثمار المالي من قبل رأس المال الخاص . فالأساس في مثل هذا النظام أن يفرز المواهب والقدرات منذ البدايات وفي مختلف المستويات بحيث يستطيع المجتمع أن يستفيد من القوى البشرية على مختلف المستويات وفي المجالات الإنتاجية المختلفة وحسب القدرات الذهنية والعملية لأبنائه . ولا يمكن تحقيق ذلك بإجراءات وخطوات ترميمية على صعيد تحسين وضع المعلم المادي على أهمية ذلك ، أو تحسين حال البناء المدرسي مع ضرورة ذلك . أو تغيير تعليمات وأسس القبول الجامعي .


المطلوب فعلاً أن نعترف أن من نسميهم ’أقل حظاً ‘ عند إعلان نتائج التوجيهي هم في واقع الحال" أقل حقاً " ، حيث أن النظام التعليمي قد أعطاهم بشكل متأخر ولاحق حقهم في الحصول على فرصة تعويضية في البيئة التعليمية من حيث الأستاذ والمدرسة والظروف الأخرى المكملة بحيث يتحقق مبدأ تكافؤ الفرص . لكن هذه الفرصة التعويضية لم تعالج الخلل الأساسي في نسق التعليم والمتمثل بإستمرار غياب عملية الفرز الضرورية في المراحل الإبتدائية والإعدادية والثانوية وعلى أساس قدرات التلاميذ وتوجهاتهم وميولهم العقلية والإستعداد للتعلم والقابلية للنمو الذهني والفكري في بيئة تنافسية تتساوى أو على الأقل تقترب من المساواة في الفرص ومتطلبات التعليم .

طبعاً لا يمكن تحقيق مثل هذه المتطلبات دون تغيير جذري في فلسفة التعليم والسياسات التعليمية وربط ذلك بشروط وإعتبارات العدالة الإجتماعية والتوزيع العادل للدخل القومي ولفرص التنمية . كما يرتبط حتماً ربما بإصلاحات هيكلية سياسية وإدارية كالامركزية وإعطاء البلديات دوراً مركزياً في التعليم لكن على أساس معايير وطنية صارمة وواضحة من حيث تطبيق البيئة التعليمية والمدرسية والتربوية المطلوبة. وبدون مثل هذا الإصلاح الجذري سيستمر النظام التعليمي تتحكم به الإعتبارات الإجتماعية والإنسانية ومسألة الربح على صعيد المدارس الخاصة والجامعات الأهلية ودون إعطاء الإعتبار الكافي لشروط التنافسية والجدارة والقابلية والإستعداد أو الميل الفطري للطالب.

وسيبقى النظام السياسي يحاول عبر عملية ترقيعية معالجة نتائج النزعات الإجتماعية والثقافية في المجتمع والسعي وراء الربح من قبل القطاع الخاص ؛ والنتيجة ضياع الفرصة لبناء ثروة بشرية منتجة ، والحصول بدلاً من ذلك على تجميع شهادات جامعية دنيا ومتوسطة وعليا وسواها لكن قيمتها الفعلية لا تساوي شهادة محو الأمية ، وما يرتبط بذلك من تشويه للقوى البشرية لاسيما حرمان المجتمع من القوى العاملة المدربة والفنية الماهرة والنصف ماهرة في مختلف المجالات والإبقاء على أسباب البطالة المقنعة لتتفاقم هذه الأخيرة وتزيد أعداد طلبات الموظفين من الخريجين غير المؤهلين تغذي خزائن ديوان الخدمة !

طبعاً ستستمر مسألة الشكوى من تشويه عملية القبولات في الجامعات الرسمية وتضخم الأعداد في معدلات القبول لمن هم كانوا " أقل حقاً " فأصبحوا يعانون لدى الأساتذة وزملائهم وزميلاتهم الأخرين من وصمة الأقل حظاً هذه في الجامعات ؛ ويبقى هؤلاء مصدراً محتملاً للعنف الجامعي ولإثارة النعرات الجهوية وبالتالي تشويه الحياة الجامعية كما يدعي كثيرون !

إن غياب ركني البناء الأساسي في العملية التعليمية وهما : العدالة الإجتماعية على صعيد المجتمع والتنافسية في الغرف الصفية منذ المرحلة الإبتدائية أحدث تشوهات بنيوية في عملية التعليم وجعل منها هدفاً لإغراض بعيدة عن خدمة المجتمع والتنمية ، وبالتالي تحقيق البناء والتقدم الوطنيين .

أما الموضوع الأخر الذي أود التطرق اليه وإن لن أتمكن من أن أوفيه حقه في التحليل فهو حرية التعبير .

يقول الفيلسوف الألماني المعروف هيجل لا توجد الحقيقة إلا بوجود الحرية ؛ وأنا أتمم هذه المقولة بنصفها الآخر وهو لا يمكن أن تتوطن الحرية إلا في أحضان الحقيقة .

ولكن كأي قاعدة أو مبدأ معياري عندما يتحول إلى ممارسة سواء جاء هذا التحول على شكل بناء مؤسسي أو إجراءات عملية لا بد من تأثر الجوهر أو المضمون بهذا الإتجاه أو غيره . ولهذا لم يكن مفاجئاً أن يقوم المشرع الدولي عندما تحدث عن الحريات بأشكالها كافة بالنص على حمايتها بالمطلق باستثناء حرية التعبير. ففي المادة 19/ج من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية ترد تقييدات على حرية التعبير ، ثم ترد بعد ذلك قيوداً على هذه التقييدات ذاتها بعكس حرية الرأي وحرية المعتقد والفكر والضمير والتفكير ، كما لم تفت على فقهاء القانون الدولي الأساسي وخبرائه هذه الخصوصية لحرية التعبير. ففي التقسيمات أو التصنيفات المختلفة لحقوق الإنسان نجدهم عادة يضعوا مختلف الحريات ( باستناء حرية التعبير ) في مجموعة الحقوق اللصيقة بالفرد وذلك جنباً إلى جنب مع الحق في السلامة الجسدية وحرية التملك وحرية التنقل وحماية الخصوصية والحرية من الفاقة والخوف ومن التعذيب والمعاملة اللاإنسانية ، بينما يضعوا حرية التعبير في مجموعة الحقوق السياسية كالحق في التجمع السلمي والحصول على المعلومة وتكوين الجمعيات والنقابات والمشاركة العامة ... الخ . إن وضع حرية التعبير ضمن الحقوق السياسية لا يمكن أن يغيب معناه عن فقهاء القانون ونظرتهم العميقة والواقعية حول خصوصية هذه الحرية . فربطها بالسياسية تعني أنها خاضعة لمفهوم " التعليق " والتقيد لأن جوهر السياسة هو المساومة والمفاضلة والتنافس في المصالح التي ورد النص على إحترامها بالمطلق .

لكن هذه الخصوصية لم تحل دون بروز إشكالات عند التطبيق . ولذلك عقدت ورش عمل وصدرت أراء وتوصيات عديدة لمناقشة التقييدات على القيود الممكن إيرادها على حرية التعبير والتي أبرزها : ما يعرف بتوصيات سراكوزا Siracusa الصادرة في وثيقة الأمم المتحدة Annx(1985) 4/1985/4UN.DOC.E/CN. والتي أبرزها :

  • أن تصدر هذه التقييدات بقانون
  • وفي مجتمع ديمقراطي
  • وبدواعي الضرورة
  • ولحماية النظام العام والأمن الوطني والصحة العامة والأخلاق العامة والسلامة العامة وحماية حريات وحقوق الأخرين .

ثم لحقت بهذه القواعد ما يعرف "بقواعد" جوهانسبورغ حول الأمن الوطني ، وحرية التعبير وحرية الوصول إلى المعلومة " - وثيقة39 (1996) /1996/4UN.DOC.E/CN. حيث أكدت هذه التوصيات على : إن ممارسة حرية التعبير قد تخضع لبعض التقييدات في ضوء إعتبارات محدودة . كما تبيين التقييدات المتعلقة بالأمن الوطني :

  • لا يجوز فرض أي قيود على حرية التعبير وحرة الوصول إلى المعلومة إلا إذا إستطاعت الحكومة أن تثبت أن مثل هذه القيود منصوص عليها في القانون وضرورية وفي مجتمع ديمقراطي لحماية مصالح أمن وطني مشروعة ، وإن عبء إثبات مصداقية مثل هذا القيد يقع على عاتق الحكومة .
  • إن أي قانون ينص على تقييد حرية التعبير أو الوصول إلى المعلومة يجب أن يكون في متناول الجميع وواضح وخالي من الغموض ومصاغ بشكل محدد ودقيق وذلك ليمكن الأفراد من المعرفة المسبقة تلك الأفعال غير القانونية .
  • يجب أن يتضمن مثل هذا القانون ضمانات ضد إساءة إستعماله ، بما في ذلك التوثيق أو الرقابة القضائية حول صدقية التقييدات المنصوص عليها وسلامتها من قبل محكمة أو هيئة قضائية مستقلة .
  • إن أي تقييد على أي من الحريتين السالفتين – حرية التعبير وحرية الوصول إلى المعلومة - بدواعي الأمن الوطني يجب أن يكون هدفها الفعلي وتأثيرها البيّن فعلاً حماية مصالح أمن وطني مشروعة .
  • على الحكومة التي ترى أن وضع تقييدات لحماية مصلحة أمن وطني مشروعة أن تثبت أن التعبير أو المعلومة المعنية موضوع البحث تشكل خطراً جدياً على الأمن الوطني وأن التقييد المفروض هو الوسيلة الوحيدة الأقل حدة ممكنة لحماية هذه المصالح الأمنية . وأن هذا التقييد أو القيود متماشية مع المبادئ الديمقراطية .
  • أن تعريف مصلحة الأمن الوطني المشروعة تعني قيام أو نشوء تهديد لوجود الدولة ووحدتها الأقليمية عبر إحتمال لإستخدام القوة أو التهديد بإستخدام سواء من مصدر خارجي أو داخلي كعصيان أو ثورة أو تمرد .

لكن يبقى السؤال الأساسي قائماً حول واقع حرية التعبير في الأردن . إلا أن الإجابة العامة غير ممكنة لأن الأمر يتطلب التدقيق بكل حالة في ضوء المعايير والقيود على الممارسة والتقييدات على القيود لمقارنتها مع تفاصيل الحالة موضوع البحث . وقد يكون هذا من مهام القضاء وحده . لكن لا يحول ذلك دون إبداء بعض الملاحظات التي تتعلق جلها بالقانون الذي يحدد القيود الموضوعة باسم حماية مصالح الأمن الوطني . فالقانون القائم فيه العديد من الثغرات . فهو في أوجه كثيرة مصاغ في عبارات عامة يعتريها أحياناً الغموض بحيث تمس جوهر الحق أحياناً كما أنه لا يحدد ما هي الأعمال التي تشكل تهديداً جدياً لمصالح الأمن الوطني المشروعة بحيث يستطيع الفرد توقعها وبالتالي تجنب إقترافها .

ومع أن هناك ضمانات أو رقابة قضائية على هذه القيود إلا أن هذه الرقابة غير مفعلة أحياناً .كما أن المواطنين يدمجون أحياناً الخلفية السياسية أو الموقف الفكري أو النشاط الحقوقي للأشخاص في سلوكيات لهؤلاء قد لا تكون محمية بموجب القانون الدولي الإنساني من حيث المبدأ .

إن جوهر الأمر أن كثير من المواطنين لا يشاركون الحكومة مفهومها للأمن الوطني والمصالح الوطنية الأمنية المشروعة ؛ ناهيك عن أن هناك ضعف عام في مهنة الإعلام والصحافة وتأهيل المنتسبين إليها . وهناك سوء إستغلال لهذه المهنة.

كما أن المفهوم العام للأمن الوطني بتهديد الوجود أو بتهديد الوحدة الإقليمية داخلاً وخارجياً قد يكون أقرب إلى المثالية فتعريف الأمن الوطني بشكل عام إدراكياً وقد تبالغ السلطات في أكثر الأوقات في ممارستها