حرية المعتقد في المعايير الدولية لحقوق الإنسان

هذا المقال لا يعبر عن رأي المركز ولكن يعبر عن رأي الكاتب

يعد الحق في حرية المعتقد من اكثر مفاهيم حقوق الإنسان تعرضا لسوء الفهم او الانتهاك والانتقاص منها، حيث ان كثير من المجتمعات تعيش بواقع اجتماعي فيه طيف واسع عريض من التنوع الثقافي، وبدلا من تقدير هذا التنوع بشكل ايجابي كعنصر اغناء للتجربة الإنسانية يذهب البعض للحفاظ على هويته من خلال رفضه للآخر فكريا واجتماعيا سواء كان مبدؤه ديني او فلسفي او ايدلوجي.

ولهذا فقد جاء خطاب حقوق الإنسان ليخلق التوازن بين احترام الخصوصيات الثقافية والفكرية وبين التأكيد على عالمية الحقوق لكل البشر بغض النظر عن دينهم ومعتقدهم وفكرهم. حيث نص العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على “ لكل إنسان حق في حرية الفكر والوجدان والدين. ويشمل ذلك حريته في أن يدين بدين ما، وحريته في اعتناق أي دين أو معتقد يختاره، وحريته في إظهار دينه أو معتقده بالتعبد وإقامة الشعائر والممارسة والتعليم، بمفرده أو مع جماعة، وأمام الملأ أو على حدة. لا يجوز تعريض أحد لإكراه من شأنه أن يخل بحريته في أن يدين بدين ما، أو بحريته في اعتناق أي دين أو معتقد يختاره". ولهذا النص دلالات كثيرة اهمها:

ان هذا الحق هو حق فردي وجماعي بذات الوقت، حيث انه قد بدأ النص مخاطبا الفرد بأن له حق في حرية الفكر والوجدان والدين. وبذات الوقت اكد على حق الفرد بأن يمارس معتقده بشكل فردي وجماعي.

ان هذا الحق هو حق يتعلق بالفكر والوجدان والدين، وبذا فإنه امر يتصل بكل ما يتبناه الفرد من منظومة معرفية او ايمان ديني او غير ديني، اي كل ما يعمر عقل وخلد الإنسان من مبادئ وافكار ومشاعر، وعليه فإن هذا الحق ليس منحاز الى اي تجاه ثقافي بعينه، فقد يكون دينيا او علمانيا، فلسفي او واقعي، حسي ام مشاعري، ايدلوجي ام مجرد، ولا يقبل هذا الحق الفكري اي تأطير كان.

ان هذا الحق يقوم على اساس الحرية، لأنه من طبيعة الإنسان ان يكون حرا، فلا يقبل هذا الحق – ما دام في اطاره الفكري – اي قيد عليه، بل بالأحرى انه لا يمكن ايقاع اي قيد عليه، فالإنسان قد يؤمن بأي فكرة وقد تتغير هذه الأفكار التي يحملها من جيل الى آخر بل من ساعة الى ساعه ومن لحظة الى اخرى، وبالتالي فإن كل انسان له معتقده الخاص والقابل للتغيير دوما، وما دام التغيير الفكري الإيماني لكل انسان له صيرورته المستمرة فتصبح اذن الحرية حق وضرورة وطبيعة بشرية بل هي صنو وجوهر هذا الحق، ولذلك لا يمكن تجزيئ هذا الحق بل هو كلمة واحدة هي حرية الفكر والوجدان والدين.

ان هذا الحق لصيق ومترابط بالكثير من الحقوق الأخرى بحيث لا يمكن تجزأته عن هذه الحقوق، مثل حرية الرأي والتعبير والحرية الشخصية وحقوق الأقليات والحق في تكوين الجمعيات والعمل والتعليم والمشاركة بالشأن العام وادارة شؤون الدولة والحقوق الثقافية.... الخ، حيث ان اي مساس بحرية المعتقد يعني مساس بكل تلك الحقوق، فعلى سبيل المثال لو انتقص من حرية الفكر والمعتقد فإن ذلك سيمس الحق في التعليم حيث سيمنع الأطفال من تعلم معتقد معين وسيتم تلقينهم معتقدات اخرى بعينها وسيق تمييز ضد اتباع هذا المعتقد مجتمعيا وسياسيا يحول دون الوصول والمشاركة في صناعة القرار السياسي .. وهكذا دواليك.

ان هذا الحق رغم طبيعته المطلقة الا انه قد يقبل التقييد، و كلمة قد تفيد الظرفية والآنية، وبالتالي لكل حالة ظروفها، هذا لا يعني ان الدولة ستفعل ما تراه مناسب من فرض للقيود بشكل مطلق حيث سيعيد ذلك مسألة المعتقد الى المربع الأول وهو فرض قيود على فكر لصالح فكر آخر، بل ان هذا القيد له شروط مهمة كما وردت في العهد ذاته " لا يجوز إخضاع حرية الإنسان في إظهار دينه أو معتقده، إلا للقيود التي يفرضها القانون والتي تكون ضرورية لحماية السلامة العامة أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة أو حقوق الآخرين وحرياتهم الأساسية. تتعهد الدول الأطراف في هذا العهد باحترام حرية الآباء، أو الأوصياء عند وجودهم، في تأمين تربية أولادهم دينيا وخلقيا وفقا لقناعاتهم الخاصة."

ومعنى ذلك ان القيد مشروط في حالات الممارسة العملية ولا يطال ذلك حق الفرد في تبني معتقده، وان ينص على ذلك بقانون اي ان يتم شرعنته وتحديده من خلال مرجع تشريعي ولا يترك الأمر لتقديرات الموظفين او المسؤولين، ويكون الغرض منها حصرا ما يكون ضروريا لحماية الأفراد من اي اعتداء وحماية الصحة العامة، وللتوضيح فلنتخيل ان معتقد ما يؤمن بأنه ينبغي قتل او تعذيب انسان لدواعي ايمانية، فإنه ومن باب حرية المعتقد لا يسمح لمن يؤمن بهذا المعتقد ان يمارس هذا الإيذاء ضد الآخرين باسم معتقده بل ينبغي تجريمه ومعاقبته. يضاف الى ذلك ما اوردته المادة عشرون من ذات العهد والتي نصت " تحظر بالقانون أية دعوة إلى الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية تشكل تحريضا على التمييز أو العداوة أو العنف." الأمر الذي يعني ان لا يجوز بتاتا انه وباسم المعتقد ان يتم الدعوة الى كراهية الآخرين والتطرف والتعصب بل ينبغي تقييد اي دعوات فكرية من هذا الباب.

بذا يظهر ان حرية المعتقد والفكر هي من الحقوق المهمة والحساسة وان صونها واحترامها سيؤدي الى احترام حقوق الإنسان وسيسهم في تنمية المجتمعات نظرا للتنوع الثقافي وان اي مس بها قد يفضي الى التناحر والتعصب والتنازع وعدم الإستقرار، وبهذا فإن احترام حرية المعتقد هي حق وضمان لسلامة المجتمع والدولة.

 


الأستاذ رياض الصبح

رئيس وحدة التخطيط الاستراتيجي واعداد التقارير

المركز الوطني لحقوق الإنسان