التميـيـــز ضــد المــرأة فــي الحقـــوق الاقتصادية والاجتماعية

هذا المقال لا يعبر عن رأي المركز ولكن يعبر عن رأي الكاتب

لا يختلف اثنان في تقدير المدى الذي تحظى به قضية حقوق المرأة تاريخياً من اهتمام دولي واسع المدى، سعى الى تعزيز منظومة الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لها. بدءا من تاريخ اعتماد الاتفاقيات الدولية المتعلقة بالزواج والطلاق والانفصال والولاية على القُصَّرالعام 1912 مروراً الى اتفاقية حماية الأمومة الصادرة في العام 1914 والإعلان العالمي لحقوق الانسان للعام 1948 والذي دعت نصوصه الى حماية حقوق المرأة وضرورة الاهتمام بالأسرة إذْ عدّتها الركيزة الاساس في المجتمع، ولها حق التمتع بحماية المجتمع الدولي، والاهتمام الدولي بمناهضة العنف الموجه الى المرأة من مختلف اشكاله وصوره ضرورة حتمية مجتمعية على الصعيد الدولي والاقليمي إذْ اجازت الأمم المتحدة إعلانًا خاصًا بالقضاء على التمييز ضد المرأة العام 1967وصولاً الى الاتفاقية الدولية لمناهضة كافة اشكال التمييز ضد المرأة العام 1979 والتي كانت بمثابة الاتفاقية الجامعة لكافة الحقوق في اغلب المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق المرأة والتي هدفت إلى حماية المرأة في كافة المجالات والسعي الى تمكينها من خلال حث الدول على اتخاذ كافة التدابير السياسية والتشريعية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية منها مع المناداة الى تغيير النظرة تجاه الدور المنوط بالمرأة. وعلى الرغم من مصادقة الاردن على الاتفاقية الدولية المعروفة باسم سيداو والحقوق الدستورية والتشريعية المكفولة لها ضمن منظومة التشريعات الوطنية متجسدة في الانجازات التي تحققت للمرأة سواء في زيادة نسبة الكوتا الانتخابية البرلمانية منها والبلدية وتبوئها عدد من المناصب الوزارية والادارية العليا في مؤسسات الدولة والسعي الى توفير خدمات الامومة لها ومجانتيها بنفس الوقت داخل المراكز الصحية وفتح ابواب التعليم والعمل والتأمينات الاجتماعية، فإنه ما زال مجتمعنا يعاني من قضية التمييز الاجتماعي والاقتصادي تجاه المرأة والتي تعددت صوره واشكاله بل واصبحت صوراً نمطية في اغلب الاحيان وجزءاً من منظومة العادات والتقاليد الاجتماعية ؛ فحرمان المرأة من الميراث بسبب كونها امرأة وحرمانها من التعليم بغرض تزويجها وهي صغيرة السن واستمرار التكتم على جرائم العنف الاسري والعائلي بما فيها قتل النساء التي حرمت النساء من المطالبة بالإنصاف والعدالة في المحاكم بوصف المرأة التي تلجأ الى المحاكم هي امرأة عاصية لعائلتها واسرتها وخارجة على المألوف في العادات والتقاليد العائلية ويعترف القانون الاردني بحق المرأة في امتلاك الملكيات دون قيود ولا تحتاج النساء الحصول على موافقة ازواجهن او اولياء امورهن للتخلص والتصرف في ملكيتهن وعلى الرغم من ذلك فقلة قليلة من النساء لا تتجاوز 10% هن من صاحبات الاملاك في المجتمع الاردني ويتأتى ذلك من إعاقة المعايير الاجتماعية في قدرة النساء على الحصول على المصادر الاقتصادية إذْ ما زالت معدلات مشاركة المرأة الأردنية في سوق العمل منخفضة إذ بلغت 14%، مع الاستمرار في ارتفاع نسبة البطالة للنساء لتصل إلى 21.7% مقارنة بـ 10.4% للذكور، وقد يُرد ذلك لعدة أسباب وعوامل؛ منها ما يتعلق بتوفير متطلبات البيئة الصديقة والداعمة لعمل المرأة، ووعي المرأة بحقوقها العمالية، وإنصافها بالأجر والحاجة إلى تضييق الفجوة بين الإناث والذكور في هذا المجال. مع الأخذ بعين الاعتبار عدم مراعاة معظم السياسات والخطط حجم مشاركة المرأة الاقتصادية في سوق العمل غير المنظم، عدم احتساب مشاركة المرأة في العمل من المنزل بمختلف مجالاته. كل تلك الأمور عززت عوامل الفقر في الاردن وتحديدا فقر النساء وكان من نتائجها ارتفاع عدد النساء المتلقيات للمعونة الوطنية بنسبة 55% ومن خلال النظر الى الخصائص الاقتصادية والاجتماعية للنساء المستفيدات من برامج المعونة الوطنية يظهر لنا انهن من الأرامل والمسنات والنساء ذات الإعاقة والنساء ربات البيوت المعيلات للأسرة في ظل غياب الأب.

بقي أن نقول: على الرغم من كفالة حقوق المرأة في المعايير الدولية والقوانين الوطنية فإن المساواة الحقيقية التي تريدها المرأة والحركات النسوية هي المساواة في الدور والاعتراف بقدرة المرأة في كافة المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية فقضية حقوق المرأة، قضية الاعتراف بأن حقوقها حقوق مترابطة غير متجزِّئة يرتكز بعضها على بعض من خلال العلاقة الوثيقة التي تربط بين اعمال الحق وانتهاكه الذي يعزز انتشار الفقر والتمييز والبطالة والجوع والعنف القائم على النوع الاجتماعي.

 


الدكتورة فريال العساف
رئيسة وحدة الدراسات والابحاث
المركز الوطني لحقوق الإنسان