التوجيه الملكي بتنـفـيـذ تـوصيـات «المـركـز الوطني» يؤكد توافر الإرادة السياسية لحماية حقوق الإنسان

نقلا عن جريدة الدستور

أكد المفوض العام لحقوق الإنسان في المركز الوطني لحقوق الانسان الدكتور موسى بريزات توفر الارادة السياسية لحماية حقوق الانسان في المملكة من خلال التوجيه الملكي للسلطات لدراسة توصيات المركز الوطني لحقوق الانسان وتنفيذها.

وقال الدكتور بريزات في حوار شامل في «منتدى الدستور للفكر والحوار» انه لا يمكن أن تزول أي دولة او مجتمع يحترم حقوق الإنسان، مشيرا الى ان «المركز الوطني» ليس مناكفا أو مجاملاً لأي جهة ويعمل بعيدا عن «التجريح».

واضاف، لدينا صلاحيات واسعة وولاية المركز شاملة لكل ما يخص حقوق الإنسان، وأننا نتجنب تسيس قضايا حقوق الانسان حيث انه من الممكن ان تستغل أحياناً لأهداف سياسية.

وأشار بريزات الى ان التقارير الدولية سمتها -الى حد ما- البحث عن النصف الفارغ من الكأس وتحمل «جرعة سياسية»، وأن تقارير منظمات الأمم المتحدة و»المفوضة السامية» تخفف التعابير القانونية الملزمة التي تدين إسرائيل، مؤكدا ان المركز الوطني يتجنب التمويل الأجنبي حتى لا يؤثر على استقلاليتنا وحياديتنا.

وأوضح ان الرأي العام من اسلحة المدافعين عن حقوق الانسان وهو صاحب القول الفصل في عملنا، وأن دورنا حماية حقوق الانسان الاردني والمقيمين على الارض الاردنية قبل الاهتمام بـ»الخارج».

وقال الدكتور بريزات اننا نعمل بقانون وطني ومعايير دولية في آن واحد وننشر تقاريرنا عندما نفشل في انهاء «الانتهاك»، وأنه لا يوجد أسرار في عملنا الا ما يحفظ حقوق الافراد وخصوصيتهم كمشتكين.. وتاليا نص الحوار..

الدستور: بداية هناك خلط لدى الناس حول مفهوم المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان، خلط باتجاهين، فالبعض يعتقدها منظمة مجتمع مدني، والبعض الآخر يعتقدها جهة حكومية، نريد أن نوضح بداية مفهوم المؤسسة الوطنية وما دور المركز وواجباته؟.

- بريزات: بداية اتقدم بالشكر الى جريدة الدستور، وإدارتها وصحافييها على اهتمامهم بموضوع حقوق الإنسان، الذي ندرك انه ليس موضوعا شعبوياً وليس محط اهتمام الصحافة عادة. لكن رئاسة التحرير في جريدة الدستور كانت بمنتهى الجرأة بتبني هذا الموضوع منذ بداية هذا العام؛ أصبحت الدستور جريدة حقوق الإنسان إلى حد ما, ونتمنى على الصحافة الأردنية أن تحذو حذوها بحيث تكون صحافتنا مصدر توعية بقضايا حقوق الانسان ومناصر لها, لأن الإعلام هو أحد أدوات حماية حقوق الإنسان وتعزيز ونشر ثقافة حقوق الإنسان الرئيسة.

ان اللجوء إلى الرأي العام الذي هو سلاح من اسلحة المدافعين عن حقوق الانسان وهو احد اولويات المؤسسات الوطنية لحقوق الانسان عادة. التي اولها تقديم النصيحة للسلطات ثم محاورتها ومحاولة اقناعها، فالرأي العام هو صاحب القول الفصل في عملنا, لكن بعد أن يتم استنفاذ الوسائل الأخرى. ومن حيث المبدأ تتحاشى المؤسسات الوطنية لحقوق الانسان الظهور المتكرر في وسائل الاعلام وتفضل العمل بصمت لمعالجة الانتهاكات كما نتحاشى تسيس قضايا حقوق الانسان, (وان كانت مثل هذه القضايا سياسية بامتياز). ومن المعروف ان حقوق الإنسان كانت أكثر المسائل تسييساً وحساسية في علاقات الدول خصوصاً في مرحلة الحرب الباردة. لذا قامت الأمم المتحدة عام 1993 بعد مؤتمر فيينا الذي كان ابرز نتائجه حث الدول على إنشاء المؤسسات الوطنية لحقوق الانسان ضمن مبدأ الرقابة الذاتية وقد وضع المؤتمر في الوقت ذاته قواعد واضحة ومحددة لكيفية انشاء هذه المؤسسات الوطنية والية عملها. وما ينسحب على الصعيد الدولي من حيث حساسية التسييس ينسحب أيضاً على الصعيد الوطني، لأن المجتمع والدولة أيضاً يعيشان قضايا وتيارات واتجاهات عقائدية وعسكرية وسياسية. وهذا أمر طبيعي. فقد تستغل قضايا حقوق الإنسان أحياناً لأهداف سياسية محلية.

وربما تذكرون ان المركز لم ينج من هذا الجانب في بداياته. وربما نال شهرته الوطنية والعالمية بسبب ممارسة درجة من التسييس هذه حقيقة، حيث بدا وكأنه أحد القوى السياسية ولذلك اسباب طبيعية قد يكون بعضها موضوعيا. لكن السؤال يبقى: حول مدى النجاح في أداء الرسالة وحماية حقوق الإنسان وتعزيزها، من خلال نشر ثقافة حقوق الإنسان وإيصال المعلومات ومعالجة الانتهاكات. فالشهرة لا تعني دائما النجاح في المهمة. ان دور المركز كمؤسسة وطنية كبير جداً في القانون، والأساس باعتقادي أن يكون المركز ملتزم برسالته وبقواعد عمل المؤسسة الوطنية حتى يضمن استقلاليته واستمراريته، ويضمن قدرته على استنهاض وتوجيه الرأي العام في النهاية واتخاذ المواقف الداعمة لحقوق الانسان. ونقطة البداية هو ان يلتزم بقانونه وبالمبادئ الدولية التي وضعت له في ما يعرف بقرار باريس ضمن عمل مهني ومنهجي. لكن تبقى مسألة التوعية والتثقيف مهمة الى جانب المدافعة والمرافعة والكفاح لحماية حقوق الانسان. ومعالجة الانتهاكات. فمهمة أي مؤسسة وطنية لحقوق الانسان يمكن تلخيصها بـ: استقبال الشكاوى ومعالجة الانتهاكات ومراجعة التشريعات والسياسات والممارسات لتقويم مدى انسجامها مع الدستور ومع الالتزامات الدولية واخيرا نشر ثقافة حقوق الانسان والتوعية بهذه الحقوق على مختلف المستويات الشعبية وفي اوساط المسؤولين لا سيما اجهزة انفاذ القانون.

اما كيف جاءت فكرة وانشاء المؤسسات الوطنية المكلفة حماية وتعزيز حقوق الانسان فقد نشأت بطلب من الأمم المتحدة كآلية لأن تقوم الدولة بمراقبة نفسها، وهذا منطلق من حقيقة أنه عندما وضع ميثاق الأمم المتحدة لم يكن هناك أي اتفاق دولي بشأن حقوق الانسان، وكانت قضية خلافية، لذلك حتى الإعلان العالمي لحقوق الانسان (1948) الذي أصبح الآن من ركائز حقوق الإنسان وأصبح قانوناً دولياً عرفياً، كان عبارة عن مجرد إعلان أقر من قبل الجمعية العامة، التي تعتبر قراراتها عادة مجرد توصيات للدول ولم يأتي كجزء من الميثاق كما ارادته الدول الغربية في حينه بسبب الخلافات الهامة حول قضايا حقوق الإنسان بين الشرق والغرب.

لكن بعد مرور فترة طويلة على هذا التنافس في اطار ما عرف بالحرب الباردة (1950-1989) اكتشفت الدول أن المخرج ربما من هذا التأزيم والتسيس والاختلاف حول قضايا حقوق الإنسان والازدواجية في استخدام المعايير هو اللجوء الى منهجية توافقية، إذْ قامت الجمعية العامة بوضع أسس لعمل هذه الالية الجديدة. وان تطلّب من الدول أن تنشيء منظمات تراقبها بحيث تكون رقابة ذاتية. وهذه الرقابة الذاتية تم وضع أسس لها للتأكد من ان تشمل ولاية الهيئة الوطنية لكل قضايا حقوق الإنسان، وان يكون ذلك اما من خلال الدستور أو بموجب قانون، ويجب أن تكون مستقلة مالياً وإدارياً وتتوفر لها الإمكانات، وأن يبدأ دورها بتقديم الاقتراحات والنصائح والآراء. سواء في التشريعات أو السياسات أو الممارسات الحكومية بمبادرة منها أو بطلب من الحكومة، لكن كنصائح، لأنه لا يوجد للمؤسسة الوطنية أي سلاح سوى الرأي العام والتزام الدولة نفسها في هذه الحقوق التي أصبحت مقياس للشرعية السياسية ومقياس للعدالة الاجتماعية. الآن لا يوجد مجتمع أو أمة تعيش من دون حقوق إنسان، ولم تقم حضارة في التاريخ من دون احترام حقوق الإنسان، وأعتقد لا يمكن أن تزول أي دولة او مجتمع يحترم حقوق الإنسان، لأنه في النهاية إذا تعزز حق في كرامة الإنسان على أي بقعة من الأرض فسيترك ذلك آثاراً إيجابية، وسيستطيع أي مجتمع او كيان حل كثير من الصعوبات والمشاكل التي تواجه، نحن نتحدث الآن أن حقوق الإنسان ليست فقط المؤسسة الوطنية. والآليات التي تعمل لخدمة حقوق الإنسان ليست فقط من اختصاص المؤسسات الوطنية، نتحدث عن دور المؤسسات الوطنية الاخرى كالإعلام والصحافة ومؤسسات المجتمع المدني والاكاديميين والمواطن العادي. اما عن المؤسسات الوطنية التي هي مثل المركز الوطني لحقوق الانسان في حال الاردن، فدورها يجب أن يكون في الجانب العام بشكل عام متوازن، ولكن غير مجامل، ليس مناكفاً وليس أيضاً مسايراً أو مجاملاً لأي جهة. ولكن ليس للتجريح، وهنا ألمس من بعض الإخوة الكتاب والصحفيين أن كثيرا مما يكتب أو بعضه في المقالات حول دور المركز يعزونه اما لشخص: وقد يكون في مرحلة هذا صحيح باعتبار انه وجد شخص لديه «كاريزما» وقيادة وشخصية فعالة ولها نفوذ وحضور، وآخرين تركوا له الدور وأعطوه أو فوضوه بالدور. هذا ممكن. لكن المركز الوطني الأن يعمل كمؤسسة. وكل قراراته ونشاطاته ضمن قانونه وضمن المبادئ الدولية التي تحكم مجمل المؤسسات الوطنية، من ناحية اخرى قد يحكم البعض على موقف او ممارسة ما للمركز دون ان يسألوا ادارة المركز عما قام به فعلاً بعيدا عن الاعلام وبشكل مؤثر انطلاقاً من قناعة مبدأية انه ليس من مصلحة أي طرف ان تتدهور اوضاع حقوق الانسان في الاردن. كما ان كثيرين لا يعرفون او غير مطلعين على ما يقوم به المركز عادة يقوم بأشياء كثيرة دون ان يكون بالضرورة مادة اعلامية، بحيث يصار الى نشره. لذلك يأمل ان يتم الاتصال بالإدارة والاستفسار عما يقوم به المركز قبل ان يصدر احكاما حول اداء المركز.

الدستور: ما هي آلية مراقبة المركز لحقوق الإنسان داخل البلد وكيف تعمل، وهل نتائج هذه المراقبة تصل إلى جهات دولية خارج الأردن، وما أبرز القضايا التي تركزوا عليها؟.

- بريزات: نحن بشكل عام، وحسب الولاية المعطاة للمركز بموجب قانونه، لدينا صلاحيات واسعة، وولاية المركز شاملة لكل ما يتعلق بحقوق الإنسان، مثل حرية التعبير وحرية التجمع وحرية المعتقد، فحقوق الإنسان موجودة في مجموعة من الاتفاقات الدولية، فالإعلان العالمي ينص على ثلاثين مادة بثلاثين حقا. ثم جاء ان العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية (1966) ليفصلها أكثر، والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والذي قام بتفصيلها، الحق في الصحة وفي التعليم، لأن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية تسمى بالحقوق الإيجابية، لأنه يتوجب على الحكومة يجب أن تقوم بدور إيجابي لحمايتها، اما الحقوق المدنية والسياسية تسمى بالحقوق التي يجب على الحكومة الامتناع عن المساس بها لأنها بالأصل موجودة وهي حق للإنسان بحكم انسانيته ومصدرها كرامته قبل ان توضع لها القوانين والتشريعات ووجوده، هذه الحقوق تجتمع كل الحريات، احترام كرامة الإنسان وحرية التعبير وحرية التفكير وحرية المعتقد وحرية التجمع وحرية الحصول على المعلومة وحرية احترام الملكية الفردية، والتنقل والحركة...الخ.

اما عن طريقة عمل المركز؛ أولاً يقوم المركز برصد الأوضاع عبر المتابعة المباشرة، وأهم آلية هي الرصد، والرصد هو أن تتابع ما يجري في الساحة، فلدينا في المحافظات ضباط ارتباط من المحامين، ولدينا فرق رصد تتابع ما ينشر في الصحافة وغيرها، فكل نشاط نسمع به نبادر لمتابعته بأي قضية، ولدينا خط ساخن لاستقبال الشكاوى والتي تأتينا بكل الوسائل؛ إما شخصية أو عبر الخطابات البريدية. وإما عن طريق طرف ثالث، وإما عن طريق الإيميل أو الخط الساخن..

عندما تأتينا شكوى أو نلمس ممارسة او حدث ما نتحقق منه لنرى ما اذا كان، هناك انتهاك ام لا. خاصة هل القضية جنائية جرمية. هناك مفهوم الحقوق ومفهوم الانتهاك، ثم مصدر الانتهاك او الجهة التي تقوم بالانتهاك. إذا كان هناك انتهاك صدر من احدى اجهزة الدولة أو من جهة حكومية أو غير حكومية نقوم بالتحقق منه، فلدينا معايير واضحة حول ذلك. فكل الممارسات الحكومية نقوم برصدها. فهل تتوفر المعاملة اللائقة للسجين، ومثلا او من تحتجز حريته؟ هل يتم احترام الحق في التجمع السلمي؟ هل حرية التعبير والمعتقد مصانة، وأيضاً هناك اتفاقيات تضمن حقوق المرأة والطفل والاشخاص ذوي الاعاقة والمسنين... الخ، لدينا خريطة كاملة ومعايير وأدوات وآليات للعمل مفصلة. ولكن اول خطوة بعد الاطلاع على الشكاوى او الواقعة هو التحقق بكل الوسائل المتاحة لمعرفة كل الحيثيات والملابسات.

الآن هل تصل تقاريرنا للخارج؟ قبل الخارج نحن مجال اهتمامنا الوطن والمجتمع الاردني. دورنا حماية حقوق الانسان الاردني ومن هو مقيم على الارض الاردنية. طبعا نحن جزء من منظومة عالمية. هذا صحيح، منظومة حقوق الإنسان عالمية وتحكمها منظومة عالمية والاهتمام بها عالمي عبر هيئات واليات دولية واقليمية ابرزها الأمم المتحدة. لكن في الأساس نحن مؤسسة وطنية، تعمل بقانون وطني وبمعايير دولية في آن واحد. فالبعد الدولي اساسه استخدام هذه المعايير بالإضافة الى التفاعل مع الاليات الدولية والاطراف العالمية سواء كانت هيئات حكومية كمجلس حقوق الانسان او مؤسسات بيروقراطية دولية كالمفوضية السامية لحقوق الانسان او لجان تحقق او هيئات تعاهدية... الخ. فالأردن التزم بهذه المنظومة وأصبحت جزءاً من قانونه الوطني. لذلك تجد ان المركز يقوم بمتابعة مدى التزام الأردن بها، ننشر تقاريرنا حول حقوق الإنسان عندما نفشل في انهاء الانتهاك، ولكن هناك انتهاكات كثيرة نتمكن من حلها لا نعلن عنها، لأننا لو قمنا بذلك لأصبح المركز-المؤسسة الوطنية- جزءاً من الإعلام بشكل دائم وجزءا من اللعبة السياسية المحلية. لذلك من الطبيعي أن لا تستطيع تفصيل السياسة عن أي شيء، فالسياسة مصالح وتنافس وتقاسم نفوذ، لكن نمارس دورنا كمؤسسة وطنية بعد أن نفصل السياسة والمحازبة من خلال مباشرتنا لطرقنا وآليات عملنا محاولين ان نبقى مع الشخص الذي تعرضت حقوقه للانتهاك حتى نستطيع أن نعالج مثل هذا الانتهاك، إذا فشلنا وعجزنا فنذهب للإعلام ونتحدث. فكما لاحظتم بالنسبة لموضوع الحراك من ثلاثة أشهر تحدثنا أمام رأس الدولة، وتمت مخاطبة المسؤولين في الدولة، رئيس الوزراء والقضاء، ووزير العدل ووزير الداخلية، ومجلس الامة. وصلت مرافعاتنا حول اوضاع هؤلاء الى اذان الجميع بوضوح وصراحة وبصدق ومن منطلق المصلحة الوطنية وبموضوعية. كانت لديهم وجهة نظر ممكن أن نناقشها معهم، لكن لا نقبلها بالكامل ولا نرفضها بالكامل. لكن الأساس أن موضوع الحراك بعد أن استنفذنا كل الوسائل حسب منهجية عملنا قمنا بإصدار بيان تعاملت معه الصحافة باهتمام الجميع ؛ ومع ذلك لا يمكن تحاشي التنوع في المواقف فالبعض نظر اليه من زاوية معينة، وهناك من اعتبره ضجة كبيرة، وهناك من اعتبره صحوة متأخرة..! على حد قول احدهم. لكن مثل هؤلاء غير مطلعين على امرين, اولاً عن ما قام المركز على طول الاشهر الماضية حول موضوع الحراكيين الموقوفين ثم ان عمل المركز ليس عملا فرديا بل مؤسسي.

الدستور: موضوع الجانب الدولي في عملكم، دائماً التقارير الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان خاصة في الأردن تأتي على خلاف تقاريرنا المحلية، فهذا ما يجعلنا نتساءل، هل هناك جانب سري بعملكم، وأمور لا يتم الإعلان عنها حين يتم معالجتها؟.

- بريزات: بالنسبة للتقارير حول اوضاع حقوق الانسان في الاردن، المركز يضع النقاط على الحروف أكثر من أي جهة اخرى. هذا ليس دفاعا ذاتيا، التقارير الدولية (وأنا تعاملت معها على غير صعيد وادرك مكنونها ومنهجية اعدادها والاثر التي تريد احداثه)، لها -الى حد ما- سمة من يفتش عن النصف الفارغ من الكأس, صحيح أن أحد الإشكالات في التقارير الدولية انها تركز على المخالفة والانتهاك، لكن نحن نركز على جذوره وأسبابه وحيثياته والانتهاك وخلفيته وكيفية حله وانصاف الضحية، وعلى الصورة العامة, في تقاريرنا نحن نلتزم بالمبادئ التي تحكم عمل أسسها المؤسسات الوطنية. نتحدث عن حالة حقوق الإنسان في الوطن بشكل عام، لأن هناك فرقا بين حالات فردية وانتهاكات فردية، وبين ما يسمى بالسياسة أو الممارسات الواسعة لانتهاك حقوق معينة, عندما يتحول الانتهاك إلى سياسة واضحة وواسعة او أن يصبح امراً منهجياً فهنا إشكالية كبرى. ثانياً تقاريرنا تقريباً تبتعد عن التسييس داخلياً وخارجياً. التقارير الدولية, مع احترامي لها, (وأعتقد أنها تلعب دورا إيجابيا بشكل عام لحماية وتعزيز دور حقوق الإنسان) لكن بكل أمانة وعن معرفة ووعي كامل تجدها دائما تحمل جرعة سياسية, ونكهة سياسية. وتقارير وزارة الخارجية الأميركية أو تقارير الاتحاد الأوروبي أو تقارير المنظمات الدولية، صحيح أن لديهم ناشطين يتابعون، لكن لهم منهجية تهدف دائما الى اعطاء بعد ونكهة سياسية سواء في التوقيت, أومن حيث التركيز على امر أو جزئية بعضها أو تكرار المعلومة ودرجة المتابعة، ومن حيث السياق، والتركيز واللغة المستخدمة. فلو اخذنا تغطية لغة معينة عادة ناعمة ونادراً ما تكون جازمة وحاسمة, حتى تقارير منظمات الأمم المتحدة الدولية، وحتى مداخلات المفوضة السامية لحقوق الإنسان عندما تتحدث عن انتهاكات السلطة الفلسطينية لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة وعن ممارسات إسرائيل تختلف لهجتها بالمضمون وبدرجة التركيز عندما تتحدث عن الانتهاكات في بورما أو في العراق أو في أي دولة عربية تجد لهجة متأثرة بالسياق السياسي العام. وحتى عندما تكون هناك تعابير قانونية ملزمة تدين إسرائيل فتجدهم يضعوها بشكل مخفف.

نحن لا نتأثر بالسياسة ولسنا طرفاً في الانتهاك الا بمقدار ما يلزم لحماية حقوق الضحية وانهاء الانتهاك او تصويب السياسة او تعديل التشريع المغاير لالتزامات الاردن الدولية. وإذا خرجنا كمركز وطني عن الموضوعية والاستقلالية والحيادية نفقد مصداقيتنا، لا نجامل لكن لا نساير ولا نناكف ولا ندين لأننا لسنا قضاة. فنحن نعمل كمراقب على السلطات، يفترض فينا عندما يكون هناك انتهاك، حسب قانون المركز، أن نحيله أولاً إلى السلطة التنفيذية وإذا لم تستجب فنحيله إلى السلطة التشريعية، ثم إلى القضاء. واذا عجزنا عن معالجته نذهب الى الحكم الاخير وهو الرأي العام. البعض يريدنا ان نبدأ بالرأي العام وهذا لا ينسجم مع الية عمل المؤسسات الوطنية ودورها.

وبالنسبة للسؤال: هل هناك أمور سرية؟ أؤكد انه لا يوجد في عملنا اسرار الا ما يحفظ حق الافراد وخصوصيتهم كمشتكين وما يسهل مهمة انهاء الانتهاك وانصاف الضحية، لذا فالمعلومات الشخصية التي نحتفظ فيها والتي قد تسيء للمشتكي، والمعلومات التي لا نستطيع التحقق منها تبقى قيد المراجعة، فقد نزور سجين أو قد نرصد إضراب أو نشاط معين أو مخالفات لا نستطيع التحقق من كثير من المعلومات. ما نتحقق منه وعجزنا عن معالجته ننشره كحق وكمبدأ بأن هذا الحق انتهك. فنحن نشير إلى المفهوم وإلى المادة وإلى القاعدة والحالة ولا ندخل في التفصيلات الشخصية التي يكون التحقق منها صعب وبها ادعاءات كثيرة. لذلك هناك مفهوم إدارة الشكوى وإدارة الانتهاك اثناء التعامل مع الانتهاك والدفاع عن الحق الذي نقوم به بطريقة التقرير.

الدستور: بالنسبة لموضوع معتقلي الحراك، هل رصدتم أي تجاوزات في التعامل مع معتقلي الحراك خلال تواجدهم في السجن، خاصة هناك ما يتحدث عن موضوع التشميس وعدم السماح بالزيارة.. وهل هناك رقم للانتهاكات من بداية العام والتي تأكدتم منها؟.. وبالنسبة لموضوع تقليص صلاحيات محكمة أمن الدولة، هل كان من مطالب المركز، وهل تسعون لتعديلات قانونية مشابهة؟.

- بريزات: بالنسبة للحراك الانتهاكات محدودة جداً، نقوم عادة بإرسال فرق الى مراكز الاعتقال للتحقق وبالنسبة للحراك في الحالات الأخيرة، وبحدود ذاكرتي، الشكاوي محدودة جداً. صحيح تم وضع البعض في السجن الانفرادي، هذه الشكاوى في كل السجون، فإدارة السجون تستخدم هذا الأمر للتعامل مع السجين، لكن بالنسبة لنا ليس هذا هو المشكلة، بل ننظر أولاً هل يجب أن يكون هذا الشخص في الداخل مسجوناً أم لا ؟ وهل اعتقاله صحيح، وهل هناك مبرر فعلي للاستمرار بحجز حريته؟ فهذه أهم من قضايا ومخالفات التوقيف الاخرى.. تواجهنا أيضاً أن التهم الموجهة لمعتقلي الحراك الأخيرين مثل «تقويض نظام الحكم», والارهاب، في اطار ممارسة الحق في حرية التعبير والتجمع السلمي. طبعاً نعي انه هناك تقييدات بموجب الفقرة (2) من المادة (19) من الإعلان العالمي ومن العهد الدولي اللتين تتضمنان بأن للإنسان الحق في تشكيل الجمعيات وفي حرية التعبير بشرط أن لا يؤثر ذلك على حرية الآخرين وحقوقهم، وأن لا يؤثر ايضاً على النظام العام والأمن الوطني. والنظام العام يعني الا يؤثر هذا النشاط على مجرى الحياة العامة ثم لا يهدد الأمن الوطني. انا لا أتحدث عن القانون الوطني بل اتحدث عن المعايير الدولية.. نحن في الأساس مرجعنا الدستور لكن نذهب درجة أبعد ونقول بأنه طالما الدولة التزمت بمعاهدة دولية أصبح تقرير ممارسات وسلوك الدولة بحق المواطنين والمقيمين من خلال المعايير الدولية. لذا نسأل أنفسنا السؤال الآتي (وهو لا يخلو من اجتهادات): هل شخص قام في خطابه مهدداً وموجهاً اتهامات وإساءات الى رأس الدولة أو طالب بتغيير نظام الحكم عن طريق الخطابة، هل يعدّ هذا جرما/جناية أم مجرد حرية تعبير؟ هذا سؤال مفتوح، لأننا لسنا جهة قضائية لنحدد وفق الادلة والقرائن طبيعة التهمة. نحن ننظر الى سرعة عرض هؤلاء على القضاء النظامي الطبيعي ليبت في هذه التهم, ننظر إلى هل يجب ان يطول وجود هؤلاء الأشخاص خلف القضبان بسبب المطالبة بمطالب معينة، في القانون الأردني تعد ربما هذه جريمة يعاقب عليها القانون ولكن، هل عزز وأردف قوله بعمل، نحن ليس لدينا معلومات، فهذه المواضيع معقدة ومتداخلة من في الخارج يعتقدون أنها أمور بسيطة، لكن التعامل معها من الداخل غير ذلك.

القضية الثانية موضوع معاملتهم، وصلتنا شكاوى بوجود انتهاكات بحقهم، لكن انتهاكات مثل التشميس وحجز انفرادي ومنع الزيارة 48 ساعة (وهي مخالفات وانتهاكات عادية)، لكن حسب تقرير المركز لم يتعرضوا لضغوطات كبيرة وانهم تلقوا معاملة مناسبة.

وبالنسبة لموضوع صلاحيات أمن الدولة، قال المركز في أول تقارير له بأن أي محاكمة لمدنين امام محكمة عسكرية, ومحكمة أمن الدولة محكمة قضاتها وإجراءاتها عسكرية هي مخالفة للمعايير الدولية وتطالب تقرير المركز السنوية بإلغائها، او تعديل قانونها كمركز وطني نرى كثير من التهم المنسوبة لمثل هؤلاء هي في سياق «المطالبة في بالإصلاح والمشاركة العامة». اما الاشكالية المرتبطة بسلوك البعض الذي يخرج عن مفهوم السلمية او يتحدى التقييدات الواردة في المعايير الدولية فيجب ان تحسم عن طريق القضاء النظامي. محكمة أمن الدولة محكمة خاصة وهي في وضعها الحالي لا تنسجم مع المعايير الدولية من حيث تكييفها. فامر جيد الآن انه تم تقليص صلاحياتها. ونرحب في هذا التعديل ونريد ان نرى كيف تكون عليه الامور بعد انجاز التعديل في مجلس الامة. مطلبنا هو أن يحاكم المدنيين أمام محكمة مدنية بالكامل من دون أي تقييدات.

من ناحية اخرى يوجد 20-25 قانوناً طالبنا بمواءمتهم مع المعايير الدولية والتزامات الاردن، ارسلنا وجهة نظر المركز في كل القوانين المتعلقة بالحريات والحياة الشخصية راجعناها كمركز الى وزارة العدل ولرئيس مجلس النواب وللجنة القانونية في المجلس، لكن لا يعني أن كل هذه الخلافات هي انتهاكات جسيمة أو ان المجتمع لا يمكن أن يصلح من دونها. في حقوق الإنسان هناك مساحة واسعة (ولا أريد أن أبرر أي انتهاك لأي إنسان حتى أحياناً الإساءة البسيطة انتهاك). في المجمل اثناء ادارة شؤون الدولة لا بد من افرازات سلبية, وحتى انتهاكات كدولة، فالدولة هي منظومة ونسق من النظام يسير، لا بد أن يكون هناك احتكاكات المهم الا تكون هناك سياسة ممنهجة للانتهاك, او ان يتم التستر على الانتهاكات. الامر الاول غير موجود في الاردن. فالمواطن له حق أن يشتكي ويعترض على أي مخالفة بحقة او انتهاك، لكن نحن عندما نرصد أحوال وأوضاع حقوق الإنسان ننظر إلى الاتجاه العام ونحكم على السياسات والممارسات والتشريعات لأن حقوق الانسان تمارس في سياق بيئيه اقتصادية وسياسية واجتماعية وثقافية عامة وبداية يتأثر عمل المؤسسة الوطنية المعنية برصد هذه الحقوق بهذه البيئة. المهم توافر الارادة السياسية وهذا لمسناه وتجلى في التوجيه الملكي للسلطات لدراسة توصيات المركز وتنفيذها. ثم الوعي بأهمية احترام حقوق الانسان لدى المسؤولين وكذلك الخبرة والقدرة الفنية لدى الأجهزة والكوادر وهذا أخذ في الحصول ويتجذر كما اعتقد. ربما قد يوجد من له رأي مخالف وانا احترم ذلك واصغي اليه.

الحق في الحصول على المعلومة فيه نواقص عدة، وأيضاً قانون الأحزاب. أتحفظ في كل اجتماع للجنة الأحزاب على كثير من قرارات اللجنة لأنهم يشترطون توفر 500 شخص كأعضاء وبنسب معينة من المحافظات ونسبة من النساء, وهذا موجود في القانون. وأنا كنت مقرر وعضو في لجنة الحوار الوطني، وقلنا 500 شخص امر كثير وحاولنا خفضه إلى 250. لكن المهم في المعايير الدولية لا يوجد داعي للعدد حتى لو كان هناك عشرة أشخاص يريدون تكوين حزب. فهذا يسمى حق المواطنين بالتجمع السلمي، فأتحفظ على أي قرار يلغي إنشاء حزب أو يرفض قبول أوراق حزب أو طلب حزب بشكل مسبق بناءً على عدد فنحن كمركز وطني نتحفظ عليه. هذا خلل فكري وحقوقي جذري. الاحزاب لا تنشأ بموجب شهادة ميلاد من أي جهة أو رخصة. الاحزاب تقوم وتقوى أو تسقط من خلال المجتمع. واقتناع المواطنين الناخبين بها من عدمه.

بالنسبة الى إحصائيات الشكاوى، تأتينا شكاوى كثيرة. وهذا جزء من المشكلة، فلا يوجد وعي لدى الجمهور بطبيعة الحقوق وكذلك بكيفية ممارستها والتعبير عنها ومتابعتها بشكل عام، تأتينا قضايا شخصية وقضائية ليس لنا علاقة بها. فالمواطن لا يعرف ما هو دور المؤسسة الوطنية، وهذا دور الإعلام ودور المركز بأن يوضح للناس والمجتمع هذه الأمور.

الدستور: كل عام يصدر المركز الوطني تقرير سنوي عن حالة حقوق الإنسان في الأردن بالمجمل، وبنفس الوقت هناك أكثر من جهات محلية حقوقية تخرج تقارير سنوية، فهل هناك تنسيق بين هذه الجهات الحقوقية والمركز.. ثانياً نريد أن تحدثنا عن تقرير الظل أو الاستعراض الدوري الشامل الذي سيقدمه الأردن، وهل أخذ الأردن بالتوصيات التي وجهها المركز الوطني لحقوق الإنسان خلال الاستعراض الذي حصل قبل أربع سنوات.

- بريزات: المركز الوطني مختلف عن المؤسسات الحكومية في هذ المجال. المؤسسات الحكومية تعمل وفق اليات بيروقراطية للتعامل مع قضايا حقوق الانسان، أما المركز فهو يعمل بموجب معايير دولية وهو ليس جهازاً حكومياً أو بيروقراطية. نحن ننسق جداً مع كل الهيئات. لدينا آلية تنسيق مع منظمات المجتمع المدني NGOs ومع هيئات المجتمع المحلية ونشكل تحالفات مثلاً لمتابعة الانتخابات ومراقبتها، ومجالات التنسيق كثيرة. فهي ولكن من وجهة نظري اعتقد أننا نستطيع القيام بما هو افضل، لكن كل جهة لها طريقتها ومجالات تركيز معينة، ومن هنا تأتي مسألة الالتزام بحقوق الإنسان. لكن نحن لا نكتب لأن لدينا المحاسبة والمساءلة من الضحية ومن الجمهور والرأي العام والحكومة.. لو أحصيت الاتهامات ضد المؤسسات الوطنية لحقوق الانسان لوجدتها كثيرة، أولاً يقال أننا ندافع عن المجرم، فالأمن العام مثلاً، (مع أنهم لديهم تفهم وأصبح هناك تغيير واضح وملموس في النظرة لحقوق الإنسان على أكثر من مستوى) قد يرى فيما نقوم به اعاقة لجهوده في القاء القبض على من يهددون أمن المجتمع. الانطباع سابقاً أن حقوق الإنسان ربما هي مصدر تهديد للأمن الوطني ويهدر السلام الاجتماعي، هناك اتهام بأننا ندافع عن من هو خطر على أمن المجتمع. فنحن مثلاً نطالب بإلغاء قانون منع الجرائم لعام 1952والذي هو الاحتجاز الإداري المؤقت. فنرى أحياناً في وجهة نظر الأمن العام والدولة أن هناك وجاهة، لكن أيضاً هناك مخالفات صارخة في الاستعمال والمبدأ، فلا يجوز لإداري أن يحاكم ويسجن شخص مدني فهناك القاضي الطبيعي.

المؤسسات الوطنية عليها اتهامات كثيرة، هناك من يعدها جزءا من الخارج، وبعض القوى في المجتمع تقول بأن هذه المؤسسات جزء من التوجه الدولي والعولمة وهدفها التلاعب في المجتمع وتهديد السلم الاجتماعي والتوافق الوطني، خصوصاً في قضايا المرأة والطفل والقضايا التي تتعلق بما تنظمه الشرائع السماوية والاسلام الحنيف وفيها التراث وحقوق المرأة وما يسمى بجرائم الشرف..الخ، فهناك اتهامات للمؤسسات الوطنية والحقوقية من قبل بعض الجهات المحدودة وهناك بالمقابل اتهامات من جهات محدودة أيضاً تتهم المؤسسات الوطنية انها لا تعمل في كفاية في هذه القضايا وتنعتها بالتقصير!! هذا أمر طبيعي من مجتمع متعدد ويمتاز بالتنوع كالمجتمع الاردني. أما حول التدخل من الدولة أو الضغوطات من غيرها... أنا لي سنة وعشرة أشهر مفوض عام، وقبلها ستة أشهر عضو مجلس أمناء، لم أرى أي جهة أو سمعت أن جهة تدخلت، ولم ألمس ذلك. لكن نحن أيضاً لدينا مهنية، فلا نسمح لأنفسنا أن نُستغل، لهذه الأسباب تقاريرنا مختلفة عن تقارير الـ (NGOs). وتقاريرنا تقرأها الجهات الدولية، لكن ربما لا توافق ذوقهم كثيراً لم نسمع نقداً مباشراً أو غير مباشر منهم لكن نرى انهم يميلون الى جهات أخرى أكثر، إن المركز الوطني جزء من الدولة والحكومة. هم يعلمون بأننا أنشأنا بقانون، لكن في عملنا مستقلين، لكن من هو في الداخل في هذه المؤسسة يعرف كيف هو العمل يدرك كم عزيزة علينا الاستقلالية ويدرك كم يحرسها الجميع، ابتداءً من اصغر عامل في المركز وانتهاء بقيادته مجتمعة.

بالنسبة لتقرير الاستعراض، هذا موضوع واسع. قدم الاردن تقريره في تاريخ 24/10/2013 وكان قبل 16 توصية أكثر تلك التوصيات تتعلق بحقوق المرأة وموضوع الغاء عقوبة الإعدام والتعذيب، أول خمس توصيات في المراجعة الدورية الأولى أمام مجلس حقوق الانسان وكان لي الشرق ان قدمته شفهياً باسم الحكومة وبمشاركة وفد وطني كانت حول موضوع المرأة، هناك توصية عن قانون منع الجرائم والاهتمام بالصحة. فهي 16 توصية، آلية الاستعراض الشامل مبنية على المفهوم التعاوني بين الدول وبين جميع الشركاء من مؤسسات دولية وحكومية ومجتمع مدني، المفهوم هو أن الدول هي التي تخضع نفسها للفحص والتدقيق، أخذ المجلس والاردن كان يشغل منصب مقرر ونائب الرئيس سنة يضع الأسس حتى توافق الدول على أن تعرض نفسها للفحص. فالدولة هي من المفروض أن تقدم ما لديها من صعوبات ومشاكل وتطلب المساعدة لمعالجتها وغير ذلك.. فقانون حقوق الإنسان والمعاهدات أصبحت جزءا من القانون الدولي وأصبحت ملزمة، يستطيع المواطن أن يشتكي من التعذيب ومن حرمانه من حق معين، لكن الاردن يتقدم في هذه الأمور ويحقق انجازات، ونأمل أن تتطور هذه الثقافة والمأسسة لهذا الموضوع، مجلس حقوق الإنسان عندما وضعت آلية عمله رفضت كل الدول أن يكون هنالك أي علاقة بين مجلس حقوق الإنسان ومجلس الأمن. فقط في حالات الانتهاك الجسيم وفقط عن طريق مجلس الأمن ذاته يمكن أن تحال الدولة الى آلية العقوبات الدولية. قد تحال بعض الدول ولكن ليس بالسهولة فعل ذلك بسبب الاعتبارات السياسية كما نرى ما يجري في دول الربيع العربي وبورما في حق الأقلية المسلمة هناك حتى من قبل نظام مدني ورث الحكم العسكري وقريب من التعددية.

الدستور: بخصوص حرية الرأي والتعبير وما شهدته في الفترة الأخيرة، وحق التجمع السلمي والقيود التي وضعت على الإعلام في قانون المطبوعات والنشر الأخير، فهذه الحقوق أصبحت حقوق أساس، كيف تقيم حالة الأردن في هذا الجانب تحديداً، وما المطلوب من الدولة حتى تكون هذه الحقوق مصانة.

- بريزات: أريد البدء بحرية التعبير، حرية التعبير في بعض الحالات التي يمارس فيها المواطنون حرية التعبير يحصل هنالك إما تصادم أو تجاوز على التقييدات الموجودة في المعايير الدولية وخصوصاً في المادة 19 من العهد الدولي والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ولكن هذه القيود يفترض أن تتم وتفعل بحق حرية الرأي في مجتمع ديمقراطي. وهنا يجب أن نسأل أنفسنا هل نحن في مجتمع ديمقراطي أو لا؟ ولذلك قلت بأن هذا سؤال كبير، فعلى الدولة وعلى المسؤولين أن يفكروا بعمق أكبر عندما يأخذون هذه المعايير بحرفيتها، كما أن على المواطن أيضاً إذا أراد أن يمارس حرية التعبير أن يكون حذراً، لأننا الآن في المنطقة الرمادية في هذا الموضوع. وبشكل عام أرى في المرحلة الأخيرة أن الدولة ضمن توجه ما يسمى بإعادة هيبة الدولة وقوة الدولة وكأن هناك تراجعا عن التوجه الإصلاحي والانفتاح. فأجد هناك تسامحا في عدد من القضايا وتشددا في قضايا أخرى. لذا لا أستطيع القول، إن كانت هذه سياسة أم مواقف معينة وحالات معينة تستدعيها ظروف مؤقته أو اجتهادات مسؤولين تنفيذيين. أقول بصراحة، إن بعض الجهات الرسمية رحبت بتقريرنا الذي ظهر حول معتقلي الحراك وكان ذلك قبل اطلاقهم مؤخراً حيث انتقدنا طول مدة التوقيف واشرنا الى البعد الرمادي والى الانطباع لدى الجمهور – وهذا مهم- ان هناك فجوة بين الخطاب الرسمي والاجراءات الفعلية في موضوع الاصلاح. جهات أخرى رأت بأنه صدامي وقوي وغير مبرر ولم يعجبها. أما أنا فأتأمل، كمفوض عام وأقول، إن حرية الرأي وحرية التعبير يجب أن تبقى ديدن السلطة والمسؤولين، وإذا كان هناك انحياز فيجب أن ينحاز الجميع لصالح الحرية وليس ضدها. لا أنكر أن هناك بعض التجاوزات على مسألة التقييدات الواردة وحتى على القانون وعلى هيبة الدولة. وحتى بدأ المواطنون يضيقون بالتجاوزات على الأمن الاجتماعي لكن الرد لا يكون بتقييد الحرية بل بمتابعة المجرمين اما النظرة بالمجمل بين من يطالب بالإصلاح هاتفاً فهذا غير مقبول ويسيء أو يخطئ الهدف أو منتقد الأمر بين اعمال اجرامية واضحة. لكن أيضاً لا أنكر أن هناك تشددا في استخدام هذه التجاوزات في الممارسة، لا أستطيع أن أقول أنها سياسة لكن أستطيع القول، إن هناك ممارسة تشدديه متشددة أكثر في هذه المرحلة تجاه تعبيرات حرية الرأي، لكن لا أستطيع أن أجزم وأعمم أنها سياسة، لأنه ما زال هناك أخذ وعطاء، وبحاجة لوقت حتى نقرر بأن هناك سياسة جديدة وليس مجرد ممارسات فردية أو ممارسات معزولة أو منفصلة.

بالنسبة لقانون المطبوعات والنشر، نحن كمركز نشرنا موقفاً منه. صحيح أن هذا الموقف كان حول اجتهادات حتى ضمن مجلس الأمناء. وهذا أمر طبيعي وصحي، ولكن في النهاية المجلس تفهم هذا الرأي وقبله، جوهر وجهة نظر المركز تقول، إن كرامة الإنسان هي مصدر الحقوق، مصدر الحق والحرية ومصدر الحق في المساواة، فهذا هو حماية كرامة الإنسان. الفقرة الأولى من الاعلان العالي لحقوق الإنسان تقول ذلك بالنص يجيب ان تحافظ على جوهر الحق وهو حرية التعبير، ومواد عدة في الصكوك الأخرى تلزم الدولة بحماية كرامة الإنسان وتوفير الحماية له من التشويه والابتزاز والتعدي على حريته... الخ.

نعم، هناك تجاوزات من قبل يمارسون الحرية. والحكومة أيضاً عندما أرادت تنظيم ذلك، نحن ضد الحجب وضد الترخيص ومع أن يكون هناك حرية الإعلام، لكن من حق المواطن أن يصل ضمن هذا الحق المقابل للتعبير ايضاً هناك الحق في حماية كرامته وسمعته وشرفه ونزاهته وبالتالي في الحصول على المعلومة، وان يستطيع الوصول ومعرفة بيسر وسهولة من هي الجهة التي تتهمه بمختلف الاتهامات! فهذا هو الخلاف بيننا وبين بعض أصحاب المواقع من جهة والحكومة من جهة أخرى. فموقفنا كمركز مختلف عن الطرفين. نرفض مبدأ الترخيص والحجب..الخ، ونطالب حماية المواطن من التشهير والتشويه للسمعة دون ان يكون قادراً أن يصل إلى أي معلومة دقيقة وميسرة عن الموقع وصاحبه في حال تعرضه للانتهاك بحقه وبكرامته وسمعته، والدولة مسؤولة أن تحمي المواطن.

الدستور: ماذا عن تمويل نشاطات المركز والموازنة التي تخصص للمركز؟.

- بريزات: الرقم متواضع جداً، منذ العام 2009 المركز لم تتم زيادة مخصصاته. موازنته أقل من نصف مليون دينار، لدينا 40 موظفاً، فاتورة الكهرباء مثلاً زادت 300%، والمياه والطاقة نفس الشيء، الديوان الملكي تبرع، (وهذا مسموح بنظامنا) حيث غطى التبرع، الفرق 15% عام 2012 اقتطعت الحكومة علينا 15% وأعادتها لنا قبل شهر بعد جهد جهيد، المركز لا يقبل التمويل الأجنبي كدعم، لأنه حسب القانون وحسب المعايير الدولية الحكومة ملزمة بتمكين المركز بأن يستطيع تنفيذ برامجه. لدينا برامج اساس وضرورية لو توافر لنا التمويل، ومسؤولية الحكومة أن تؤمن لنا القدرة، ونحن نتجنب التمويل حتى لا يؤثر على استقلاليتنا وحياديتنا، أي تبرع بدون التزام نقبله. لكن تمويل مشروط لا نقبله، نتأمل من أهل الخير في الأردن والمتمولين والمتمكنين أن يعتبروا هذا المركز من المراكز التي تستحق الدعم لأنه يخدم خدمة عامة للمجتمع الأردني، ودوره يعزز الأمن والاستقرار والسلم الاجتماعي لذا فان الاستثمار به هو استثمار بأمن الوطن واستقراره.

الدستور: كان لكم ورقة عمل في الدوحة، نعلم بأن هناك موقفا للمركز في التعديلات الدستورية وهناك مطالبات في هذا الموضوع، نأمل أن تعطينا صورة عن ذلك.

- بريزات: نبدأ بقانون الانتخاب، نقول بأنه كقانون جيد، لكنْ هناك ضعف في أولاً النظام الانتخابي، اعترضنا عليه قبل اقراره، حيث قلنا بأنه لا يساعد على تعزيز التعددية السياسية، ولا يساهم في إعطاء دور للأحزاب وبالتالي فسح المجال أمام التنافس، بغض النظر عن وجهة النظر في الأحزاب الحالية وفاعليتها. فهذا موضوع مختلف. فالنظام الحالي ساهم في تعزيز دور العشائرية، ولكن لا نستطيع أن نقول بأن به انتهاك لحقوق الإنسان. لأن الأساس انتخابات حرة ونزيهة، لكن نعتبر أن هذا النظام الانتخابي لا يدعم الإصلاح وتعزيز الديمقراطية التي هي الحاضنة لحقوق الإنسان. فبشكل غير مباشر نعتقد أن هذا القانون لا يخدم أهداف المركز الفعلية ونتمنى أن يكون هناك نظام انتخابي بتوافق وطني. وهناك حديث عن موضوع العدالة والمساواة، لكن المساواة المطلقة غير موجودة حتى في الدول الديمقراطية المتقدمة. لكن لا بد من التوسع بها.

موضوع التعديلات الدستورية، بكل صراحة، وممكن أن يكون في هذا الأمر وجهة نظر خاصة بي أنا، الدستور وثيقة أساسها توزيع السلطة، الآن مهما عُمل ممكن أنه عدّل جزئياً في عدم التوازن في توزيع السلطة بين البرلمان والسلطة التنفيذية التي يرى بها جلالة الملك. فعندما ننظر نرى ان هناك تفصيلات واسعة المتعلقة بدور السلطة التنفيذية وما لها من صلاحيات، المادة 25 أو 26 تقول بأن الأمة مصدر السلطات فقط.. تناط السلطة التشريعية بجلالة الملك وبالبرلمان.. الملك رئيس السلطة القضائية.. فهناك تفسير وتوسع في توضيح صلاحيات السلطة التنفيذية ودورها. لكن عندما تأتي السلطة التشريعية، (البرلمان في أي نظام ديمقراطي هو ممثل الشعب عملاً بالمادة بأن الأمة مصدر السلطات)، نجد هذا التمثيل في الدستور غير واضح وغير متوازن، فالدستور وثيقة سياسية بامتياز، وتوزيع القوى والمسؤولية فيه بحاجة لإعادة توزيع السلطة التنفيذية قد تكون منتخبة بالكامل وتحاسب من الشعب، أو يكون هناك تقاسم. سلطة تنفيذية بيدها الأغلبية عبر البرلمان، ولكن حق النقض بيد ناس الدولة أو بالعكس؛ مع الية للترجيح في النهاية.

حاليا دور مجلس الأمة هو الرقابة والتشريع فقط. لكن في النظام الديمقراطي فعلي, وعلى ضوء التوجه لحكومات برلمانية حزبية يحتاج تنفيذ ذلك الى اعادة النظر بعدد من مواد الدستور. طبعاً هذه معادلة ليست بسيطة بل تحتاج الى فلسفة حكم ونهج ورؤيا مختلفة. لكن بأمانة لا يمكن تصور أي تفعيل لمصادر قوة الأردن وحل لكثير من مشاكله, وكوسيلة لتجنب كثير من المأزق تأتي من الخارج افضل من تمكين الشعب بأن يحكم نفسه بنفسه. طبعاً في سياق تطور تدريجي سلمي مستند الى توافق حول الاساسيات، وأعتقد بأن الملك قد فتح الطريق أمام هذا النهج الاصلاحي السلمي سواء في الاوراق النقاشية الاربع التي طرحها او في خطاب العرش الاخير. ولم يبق إلا أن يتم مأسسة هذه الرؤيا والبدء بترجمتها عملياً من خلال من يؤمن بها ويؤمن بقوة الاردن ووجوده معتمداً على نفسه اولاً ومتصالحاً مع نفسه ومع محيطه وبيئته الاقليمية والدولية ومرتبطاً مع عمق التاريخ (العربي الاسلامي) على اساس ان المجتمع هو الذي يوجه النظام ويتحكم عبر مؤسسات وديمقراطية حقيقية وليس العكس. ويرى دوره في احياء النظام العربي المأمول. ويرى كثيرون في بعض الخطوات تنفيذ وشواهد عملية على هذه الرؤيا كتشكيل لجنة وطنية لصياغة منظومة النزاهة الوطنية والايعاز للحكومة لدراسة توصيات المركز الوطني لحقوق الانسان وتنفيذها وما سبق ذلك من مبادرات باعتبارها تصب جميعاً في صميم الاصلاح من خلال تفعيل الآليات التي تنظيم ممارسة الحرية وتعزز الديمقراطية للتوصل الى دور فاعل للأحزاب وتوسيع المشاركة العامة وكذلك توسيع وفتح آفاق التنافسية لإعادة الحيوية للمجتمع الاردني الواحد ولقواه المختلفة خاصة الشبابية وطبقة المتعلمين والنخب لتتفاعل في سياق العمل الوطني لبلورة الأولويات واستيعاب التحديات وتطوير القوة الذاتية وبالتالي الارادة الوطنية الذاتية لخدمة هدف وطني نابع من تطلعات الشعب الاردني الواحد الذي يحلم بالدفاع عن حقوقه وحماية مقدساته وأخذ مكانته في المنطقة كشعب منتج للأمن والسلام القادر على حماية وجوده واسترداد ما هو له بموجب القانون الدولي والشرعية الدولية.

لذلك فإن تفعيل مفهوم الأمة مصدر السلطات بشكل واضح سيخلق ديناميكية وطنية هائلة. خاصة لدى الجيل الجديد من الشباب.. بالنسبة للانتخابات، قلنا بأن هناك مشكلة في النظام الانتخابي الحالي وفي تفعيل المواد المتعلقة بالمخالفات في الانتخابات، وآلية رصد الشكاوى والتعامل معها. هناك مواد إذا لم يتم تفعيلها يصبح قانون الانتخاب الحالي او أي قانون جديد مجرد فريسة للمال السياسي والتزوير وغيرها من الأمور.

نطالب أيضاً برقابة صارمة وتقوية دور الهيئة المستقلة بشكل أوضح واستقلاليتها بشكل كامل حتى تكون مستقلة بالفعل، وتكون مسؤولة عن التسجيل للعملية الانتخابية من البداية للنهاية. وتعتبر الديمقراطية الناجزة هي الحاضنة الطبيعية لحقوق الانسان لهذا يتطلع المواطن الى ديناميكية جديدة لعمل السلطات الثلاث بما في ذلك ومجلس أمة نشط وفاعل يجسد الإرادة الوطنية.

في النهاية أريد ان أجدد شكري لهذه الصحيفة وهذه المؤسسة الصحفية المرموقة، واهتمامها بحقوق الإنسان. فهي تقدم خدمة للقارئ والمواطن والمجتمع وللوطن كاملاً، خدمة جليلة جداً، لأنني أعتقد أن أي مجتمع يحترم حقوق الانسان وأي دولة تحترم هذه الحقوق هي دولة محترمة وسيكون امامها اوفر الفرص في الاستقرار والعيش الآمن والرفاه والتقدم والتنمية.

ثانياً ما تقوم به هذه الجريدة سهلت دورنا كمركز واعطتنا مساحة هي وصحافييها، ونطلب منكم أن لا تكونوا مجاملين للمركز الوطني لحقوق الانسان إذا قصرنا. فنحن نقبل الانتقاد والتوجيه من أي جهة أيضاً، ونحب أن نسمع هذه التوجيهات فلسنا معصومين عن الخطأ.

ثالثاً، أتأمل من الجميع، وهنا أوجه نداء للمواطن والمسؤول، أن يستفيد من هذه المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان، ليتعرفوا إلى طبيعة عملها ودورها، وكيف تعمل وكيف تخدم المواطن والوطن والمجتمع. نحن كمؤسسة دورنا هو تعزيز الاستقرار والأمن وتعزيز الوئام من خلال دعم الحرية والمساواة ودعم الكرامة الإنسانية وحمايتها. بالنسبة لحرية الصحافة نعتقد أن الحرية مقدسة. لكن تقول الحكمة الخالدة «لا يمكن لشمس الحرية ان تسطع دون الحقيقة». أتمنى لكم التوفيق، وشكراً لكم، وان نكون جميعاً في خدمة الحق والحقيقة، وبالتالي الحرية لهذا الوطن ومواطنيه.