هل يمكن للأردنيين تطوير مفهوم الإدارة المحلية من خلال الانتخابات البلدية القادمة

هذا المقال لا يعبر عن رأي المركز ولكن يعبر عن رأي الكاتب

في ظل أوضاع إقليمية ملتهبة تمضي الحكومة قدماً في إجراء الانتخابات البلدية والتي تواجه العديد من المصاعب، ومن أهمها أن الانتخابات تجري في أعقاب حوار وطني لم يكتمل ووجود صعوبات كبيرة تعترض العملية الانتخابية لعل من أهمها: أن القانون الذي تُجرى الانتخابات على أساسه لم يحظ بالشرعية الشعبية والقانونية والنيابية ولا حتى الحكومية الكافية للدفع بإجراء انتخابات يؤمل منها أن تساهم بتعزيز النهج الديمقراطي في المملكة، وتشكل مدخلاً حقيقياً للمشاركة الشعبية الواسعة في ترسيخ مبادئ الحكم المحلي الحقيقي، والذي ينبغي أن ينعكس في النهاية على تقديم خدمات أفضل للمواطنين.

ويمكن إجمال الأسباب التي أدت لعدم إضفاء الشرعية على هذا القانون بما يلي: لقد رافقت عملية إقرار القانون في مجلس النواب السادس عشر حملة واسعة من عدد كبير من النواب بعدم صلاحية أحكام القانون لتعزيز النهج الديمقراطي، وكذلك عدم صلاحيته للتفعيل وتطوير العمل البلدي والحكم المحلي، ومما يؤكد هذا التحليل هو قيام مجلس النواب السابع عشر بالطلب من المحكمة الدستورية البت في دستورية بعض أحكام هذا القانون في وقت يفترض فيه أن كافة الأمور أصبحت مهيأة لإجراء الانتخابات( ومؤخراً قامت ردت المحكمة الدستورية برد الطلب شكلاً)، كما لم يحظ القانون بالشرعية الشعبية والذي يستنتج من الفتور الكبير الذي يرافق اجراء العملية الانتخابية وإحجام العديد من الكفايات الوطنية للتنافس في هذه الانتخابات، الأمر الذي قد يسهم في تراجع مفهوم الحكم المحلي وبذات الوقت تراجع مستوى الخدمات التي ستقدم للمواطنين.

وفيما يتعلق بقانون البلديات فإنه يمكن القول بانه لم ينطلق من مفهوم واضح يعزز مفهوم الإدارة المحلية واللامركزية الإدارية ويمكن تسجيل الملاحظات الأساسية التالية على هذا القانون:

  1. عدم انسجام أحكام القانون مع مفهوم مبدأ الديمقراطية واللامركزية؛ إذ إن العديد من أحكام القانون ترسخ مفهوم المركزية بشكل كبير لغياب منح مجالس البلدية صلاحيات حقيقية لقيامها بواجباتها في خدمة المواطن، وإعطاء الوزير صلاحيات كثيرة تتعلق بصميم عمل البلديات وليس الإشراف فقط ، إذ نُصّ على هذه الصلاحيات في أكثر من عشرين موضعاً في نصوص القانون.
  2. عدم الأخذ بمبدأ الانتخاب بشكل كامل ؛ إذ لا يزال ثلث أعضاء مجلس أمانة عمان يتم تعيينهم من قبل مجلس الوزراء، بالإضافة الى تعيين أمين عمان وعدم انتخابه مباشرة من قبل الناخبين.
  3. عدم إسناد القانون مهمة إدارة الانتخابات البلدية لجهة مستقلة ومحايدة ، بل أبقى هذه المهمة بيد السلطة التنفيذية ؛ إذ منح القانون صلاحيات إدارة العملية الانتخابية بكافة مراحلها لوزارة البلديات.
  4. تضمن القانون أحكاماً قد تحرم سكان المجالس البلدية من حقهم في إدارة شؤون مجالسهم البلدية من خلال مجالس منتخبة لفترات زمنية طويلة ؛ إذ منح القانون مجلس الوزراء وبناءً على تنسيب الوزير حل المجلس قبل انتهاء مدة دورته وتعيين لجنة تقوم مقام المجلس المنحل لمدة لا تزيد على سنة يجري خلالها انتخاب المجلس الجديد. كما نص القانون على أن جميع المجالس البلدية تعد منحلة قبل ثلاثة أشهر من انتهاء مدة دورتها، ويعين الوزير لجاناً مؤقتة للمجالس المنحلة لإدارة أعمال البلديات لحين إجراء الانتخابات الجديدة وإلى أن يتسلم رئيس وأعضاء المجلس الجديد مراكزهم ومباشرة أعمالهم. وبذات الوقت أجاز القانون تأجيل إجراء الانتخاب في بلدية أو أكثر لمدة لا تزيد على ستة أشهر إذا اقتضت ذلك المصلحة العامة وسلامة الانتخاب على أن تحتسب مدة التأجيل من مدة المجلس السابق
  5. عدم تبني المعايير الديمقراطية السليمة وأهمها عدم تبني مبدأ الانتخاب التام لجميع أعضاء المجالس البلدية، وتحديداً في العاصمة والعقبة والبتراء، وكذلك عدم تنظيمه للعملية الانتخابية بصورة تضمن حرية وعدالة ونزاهة العملية الانتخابية، فهو لم ينص على الحد الأدنى للمعايير المعروفة عالمياً في هذا المجال (ولما كانت هذه المعايير بحاجة إلى وقفة أوسع فسيتم تركها لبحثها في مقال آخر مستقبلاً إن شاء الله).

أما الشرعية الحكومية فقد هُمشت عندما تراجعت الحكومات المتعاقبة عن إجراء الانتخابات في موعدها القانوني والذي حددته السلطة التشريعية وبكل وضوح عند سن القانون الحالي، وتم تأجيل إجراء هذه الانتخابات لأكثر من مرة، كما أن الحكومات المتعاقبة قد عجزت عن حسم مسألة فصل البلديات وفق أسس موضوعية واضحة ومحددة.

أما وقد وصلت الأمور إلى هذا الحد المعقد، وواضح أن هذه الانتخابات ستجري في مرحلة انتقالية ووفق قانون لم يحظ بالتوافق على العديد من أحكامه ، وخصوصاً مسألة دمج وفصل البلديات والعلاقة بين البلديات والحكومة المركزية، وتحديد مفهوم اللامركزية الإدارية والإدارة المحلية، فهل يمكن الخروج من عنق الزجاجة؟ وهل يمكن للأردنيين خلق فرص جديدة من إجراء الانتخابات البلدية القادمة في ظل هذه الأوضاع؟ إن الإجابة على هذا التساؤل تستدعي بداية أن نؤكد على أن دور العقل والفكر والمنطلقات الوطنية يجب أن يظهر في مثل هذه الفترات والمواقف الرمادية، وعليه فإنه يمكنني القول إن هذا الوضع المعقد يجب ألا يفقدنا الإيمان بالقدرة على خلق فرص جديدة للتقدم وتصويب بعض الأخطاء التي وقعت. ومن هذا الفهم فإنني أضع هذا الجهد المتواضع أمام كافة الأردنيين ومختلف القوى السياسية والاجتماعية مؤكداً على أنه جهد أولي وغير مثالي ، ولكن قد يشكل مدخلاً لحوار وطني واسع يخلق فرصة حقيقة في هذا المجال، ويتلخص هذا الطرح بضرورة المضي بإجراء الانتخابات البلدية ولكن وفق الأسس التالية:

  • تحفيز مشاركة كافة القوى السياسية والاجتماعية في الانتخابات القادمة والمشاركة الفاعلة والحقيقية من هذه القوى.
  • تبني المسؤولين الحكوميين لرؤى مستقبلية لاحقة وواضحة للاستفادة من نتائج العملية الانتخابية والأخطاء التي رافقت هذه العملية منذ طرح فكرة القانون إلى الانتهاء من العملية الانتخابية.
  • التركيز من قبل كافة الأطراف وتحديداً من طرف الحكومة على استقلالية المجلس البلدي.
  • مشاركة المواطنين والقوى السياسية والاجتماعية في اختيار الأكفاء ممن يتصفون بالقدرة والأمانة لعضوية المجالس البلدية، لعلهم يتمكنون من تجاوز بعض مظاهر القصور والخلل، ويسهمون في ترسيخ وتعزيز مفهوم الإدارة المحلية واستقلالية المجالس البلدية وقيم العدالة والمساوة في تقديم الخدمات للمواطنين.
  • ممارسة ضغط حقيقي وفاعل من قبل القوى السياسية والاجتماعية ومؤسسات المجتمع المدني لإجراء انتخابات حرة ونزيهة تحظى بالشرعية الشعبية على الأقل.
  • تنظيم برامج مراقبة وطنية حقيقية وفاعلة لمجريات العملية الانتخابية تتمكن في النهاية من إبراز مكامن القصور والخلل سواء في التشريعات أم الممارسات التي رافقت العملية الانتخابية بعد توثيقها بصورة علمية دقيقة ومنظمة.

وفي نهاية المطاف فلابد لهذه العملية أن تحاول الوصول إلى توافق على جوامع وطنية لتطوير القانون مستقبلاً والضغط على المجالس المحلية لتطوير أساليب عملها، ومشاركة الجميع بما فيهم المواطنون وأعضاء المجالس المنتخبة في وضع أحكام قانون جديد يؤسس لمستقبل حقيقي يعزز من قيم مشاركة المواطنين في إدارة الشأن العام وتحديداً في مجال الإدارة المحلية.

 

 

الدكتور علي الدباس
مفوض الحقوق والحريات العامة
المركز الوطني لحقوق الإنسان