الأغذية والأدوية الفاسدة والحق في الصحة

هذا المقال لا يعبر عن رأي المركز ولكن يعبر عن رأي الكاتب

لعل واحدا من أهم الحقوق الانسانية التي كفلتها الموائيق الدولية ومن ضمنها العهد الدولي الخلص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والاعلان العالمي لحقوق الانسان هو الحق في الصحة، وبحسب المواثيق الدولية فإن هذا الحق لا يقتصر فقط على حق الفرد في الرعاية الصحية بل يتعداه ليتقاطع ويتداخل مع حقه في الحصول على الغذاء والدواء والملبس والمسكن والتي توفر له اعلى مستوى ممكن من الصحة.

وحيث كثرت في الآونة الأخيرة إعلانات المؤسسات المعنية بالصحة وسلامة الغذاء والدواء، ممثلة بوزارة الصحة والمؤسسة العامة للغذاء والدواء وأمانة عمان والبلديات، حول ضبط كميات متفاوتة من الأغذية الفاسدة في أسواق المملكة، والأدوية منتهية الصلاحية، أو الأدوية المهربة أو الأدوية التي تم تصنيعها بدون الحصول على التراخيص اللازمة، فإن وقفة تأملية لهذه الاعلانات المتتالية وربطها مع حق الانسان في الصحة يستوجب منا التدقيق في هذه الظاهرة والتوقف مطولا عند طريقة التعامل معها.

بداية يبرز التساؤل الأهم والذي يتعلق بالظهور المفاجئ لمتتالية إتلاف المواد الغذائية الفاسدة بطريقة أشبه ما تكون بالظاهرة، وذلك من حيث الكميات ومن حيث الانتشار الجغرافي في كافة أنحاء المملكة للمواد المضبوطة التي يتم اتلافها، وهذا التساؤل يتطلب التدقيق في كون الظاهرة جديدة أم قديمة، فعلى سبيل المثال هل كانت مضبوطات المؤسسة العامة للغذاء والدواء خلال السنوات الماضية موازية للمضبوطات هذا العام إلا أن الاعلام بدأ تسليط الضوء عليها، أم أن الظاهرة اكتشفت حديثا وعليه فإن جرس الانذار يجب أن يقرع حتى يتنبه الناس لوجود الظاهرة وأخذ الاحتياطات اللازمة.

وفي حال كانت هذه الظاهرة جديدة، فإن أبرز ما يجب البحث فيه هو في أسباب انتشارها وتضخمها، وعلاقة ذلك مع الوضع الاقتصادي في المملكة والوضع المعيشي للمواطنين، وأسباب انحراف التجار المتورطين باتجاه الجشع ولو على حساب صحة المواطن، وأسباب إقبال المواطنين على أغذية مشكوك في سلامتها وذلك رغبة في التعامل مع مواد غذائية قليلة الكلفة.

إن الاجابة على هذه التساؤلات يمكننا من تكوين صورة أدق لمستوى الظاهرة الحالية، وتحديد درجة خطورتها، فنحن نأمل أن الأمن الغذائي في الاردن لا يزال محافظا على نسبة آمنة من حيث تأثيرات الفساد الغذائي على صحة الانسان. ولا بد أيضا من تحديد فيما إذا كانت الاجراءات الحالية كفيلة بمحاصرة الظاهرة والقضاء عليها أم أن الكوادر العاملة في هذا المجال قليلة مقارنة باتساع رقعة الفساد الغذائي وبما يجعل التهديد الصحي المباشر على الانسان أكثر خطورة ، وهي حالة تستلزم إعطاء أولوية لرفد هذه الكوادر بالموارد البشرية والمستلزمات الفنية اللازمة والكافية للقضاء على كافة أشكال الفساد الغذائي.

وهذا يقودنا للحديث حول التشريعات الناظمة لهذا النوع من الفساد وللأمن الغذائي والدوائي عموما، حيث يتوجب البحث في كيفية معالجة قانون العقوبات للقضايا المشابهة، ومراجعة قدرتها على الردع بما يوازي خطورتها على صعيد الأمن الوطني عموما في حال أدت الظاهرة – لا سمح الله – الى فقدان المستوى الآمن من الحق في الصحة والحق في تغذية نظيفة وغذاء صالح للاستهلاك. ومن هنا يبرز دور هام للسلطة التشريعية ممثلة بالبرلمان المنتخب حديثا وقدرته على محاربة الظاهرة قانونيا ورقابيا من خلال تطويره للتشريعات، وتفعيل رقابته على مؤسسات الرعاية الصحية و الدواء والغذاء.

إن أحد الأمور المهمة في هذا المجال هو قدرة الإنسان – ونحن نستخدم مصطلح الانسان لكي نشمل المواطن والمقيم والزائر– على التحقق من سلامة الغذاء و الدواء وقدرته على التفاعل مع التحذيرات والاعلانات التي تطلقها وتنشرها مؤسسات الرعاية الصحية الرسمية، وأيضا لا بد من تفعيل دور الانسان كشريك في الرقابة على سلامة الغذاء والدواء في المملكة.

ونظراً لأهمية دور الاعلام وقدرته على الدفاع عن حريات الانسان وحقوقه، فإن عليه واجبا كبيراً للإسهام بالتعامل مع هذه الظاهرة بشفافية من قبل الأجهزة المعنية، وبطريقة تبقي الناس على اطلاع كاف بأبعاد وتبعات وحجم المشكلة وبطريقة التعامل معها، بما يرفع من نسبة الشعور بالاطمئنان للاجراءات المختلفة، و يزيد من مستوى الأمان في مجال الغذاء والدواء.

كل هذه الاسئلة تتطلب إجابات واضحة ومحددة وعلمية من الخبراء المختصين في مجالات الصحة والقانون والإعلام والاقتصاد وعلم الاجتماع، وهذا يتطلب جهدا وطنيا جماعيا يأخذ بجدية على عاتقه مهمة التصدي لهذه الظاهرة الخطرة بما يكفل التزام الدولة تجاه المجتمع في حماية حقه الاساسي في الصحة و الغذاء النظيف. ومن دون الحرص على الشفافية في هذه الجهود فإن تحقيق الهدف المنشود سيكون صعبا.

لا بد أيضا أخيرا من تسجيل شجاعة الأجهزة الرسمية المتعاملة في هذا المجال والتي تمثلت في الاعلان عن الظاهرة، لكن هذه الجهود تتطلب دعما مجتمعيا بنفس القدر الذي تتطلب فيه حزما وشفافية في التعامل مع الأمور، بحيث يتم الاعلان عن المخازن والمتاجر المتورطة في هذه القضايا، و يما يترك للجمهور الخيار في التعامل مع من حاول الغش أو قام بالترويج لغذاء فاسد يقدمونه لعائلاتهم و أطفالهم.

 

بقلم: د. علي الدباس
المركز الوطني لحقوق الإنسان