النقابات العمالية المستقلة

هذا المقال لا يعبر عن رأي المركز ولكن يعبر عن رأي الكاتب

شهد عام 2011 انشاء النقابات العمالية المستقلة والتي بدأت تأخذ دورها في الحياة العامة وتحديداً في العمل النقابي، وقد أثار إنشاؤها وممارستها لبعض النشاطات النقابية العديد من التساؤلات حول الاسباب التي أدت الى انشائها، ومدى شرعيتها، وما هو المأمول لضمان مشروعية وجودها وعملها؟

وقبل الخوض في الاجابة على التساؤلات السابقة اجد لزاما عليّ ان ابين اهمية تفعيل واحترام حق الافراد في تشكيل النقابات والانضمام اليها؛ إذ يمكننا القول بأقصى درجات الايمان والقناعة ان هناك تلازماً حتمياَ بين احترام الحريات النقابية وحقوق الانسان، فلا يمكن الحديث عن الحريات النقابية اذا لم تتوافر وتحترم الحريات السياسية التقليدية؛ كحرية الرأي والتعبير وحرية تكوين الجمعيات وحرية التجمع، لذا فمن الطبيعي ان نجد ان اغلب الدول التي لا تحترم الحريات النقابية كثيراً ما ينسب اليها كذلك التجاوز على حقوق الانسان وحرياته.

ونظراً لهذه الاهمية فقد اولت الاتفاقيات الاساسية لحقوق الانسان هذا الحق جل اهتمامها بدءاً من الإعلان العالمي لحقوق الانسان، مروراً بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والعهد الخاص بالحقوق للاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وانتهاءً بالاتفاقيات الصادرة عن منظمة العمل الدولية والتي ارست مضمون الحريات النقابية على النحو التالي: حق العمال في تكوين منظماتهم النقابية التي يختارونها دون تمييز، عدم جواز تقييد حق تكوين النقابات على انشطة او مهن محددة، عدم جواز تحديد حق العاملين في مهنة ما في تكوين نقابة واحدة على مستوى المهنة او الصناعة وعدم جواز فرض الوحدة النقابية بتشريع، عدم جواز فرض حد ادنى مرتفع لعدد الأعضاء المطلوب لتكوين النقابة، حق المنظمات النقابية في ممارسة انشطتها دون اذن مسبق، حق المنظمات النقابية في وضع نظمها الاساسية ولوائحها الداخلية دون تدخل، حرية المنظمة النقابية المطلقة في تسيير شؤونها الادارية والمالية، عدم جواز حل النقابات او وقف نشاطها بالطرق الادارية، حق المنظمات النقابية في تكوين الاتحادات والانضمام الى المنظمات النقابية الدولية، حق النقابات في اجراء المفاوضات الجماعية، حق النقابات في اللجوء الى الاضراب.

عودة للتساؤلات المطروحة في بداية المقال، وفي معرض الإجابة على السؤال الاول الخاص بالأسباب التي استدعت تأسيس النقابات العمالية المستقلة، يمكن تلخيص أبرز هذه الاسباب بما يلي:

اولاً: عدم مقدرة النقابات العمالية القائمة على شمول كافة القطاعات العمالية في نقابات فاعلة تمثلهم، ويعود سبب ذلك الى عدم وجود نقابات تمثل كافة المهن والصناعات التي يعمل بها العمال، ونتج ذلك عن عدم سماح القانون للعمال بتأسيس النقابات التي يرغبون بها للدفاع عن مصالحهم، وعدم العمل الجاد من قبل النقابات القائمة على تطوير القانون وكذلك تطوير الممارسات العملية لشمول كافة العمال.

ثانياً: غياب الحياة الديمقراطية عن أنظمة النقابات العمالية والممارسة السليمة لاختيار القيادات النقابية، وقد تجلى ذلك في عدم قدرة عدد من النقابات على تنظيم انتخابات حرة تسمح بتجديد وايجاد قيادات قادرة على تطوير العمل النقابي، وابتعاد الكثير من العمال عن الانخراط في العمل النقابي لقناعتهم بعدم جدوى دور النقابة في الدفاع عن حقوق العمال. كما ادى غياب الديمقراطية وعدم تجديد القيادات الى عدم الشفافية التامة في استخدام اموال النقابات او الحقوق المقررة للعمال وظهور العديد من الاصوات التي ادعت بوجود فساد في هذه المجالات.

ثالثاً: اسهم غياب العمل الديمقراطي وعدم التطبيق السليم لمفهوم الحريات النقابية في انعزال النقابات العمالية عن الأحداث العامة، وعدم قيامها بدورها الاساسي في المساهمة بتنظيم سوق العمل الأردني بما يخدم مصالح العمال المنتسبين لها، وعدم قدرتها على مقاومة السياسات التي اتبعتها الحكومات المتعاقبة وادارات المصانع والمؤسسات التي يعملون بها، والتي نتج عنها المساس المباشر والكبير بحقوق العمال ومستقبلهم المهني وحصولهم على التأمينات الاجتماعية وشعورهم بالأمان لمستقبل المؤسسات التي يعملون بها، الامر الذي اسهم بالنهاية بتراجع الاقتصاد الاردني.

اما الاجابة عن سؤال مدى شرعية ومشروعية النقابات المستقلة فإنها تستدعي بيان المقصود بهذين المصطلحين، فقد يبدو للوهلة الاولى ان هذين المصطلحين مترادفين والحقيقة انهما مختلفين؛ فمبدأ الشرعية هو فكرة تتعلق بمدى مطابقة اعمال السلطة لما استقر في وجدان الجماعة من قيم ومعتقدات ومبادئ وهي بالتالي اوسع واشمل من ارادة السلطة، فلمبدأ الشرعية قيمة عليا لا تفرض على القاضي او على الادارة فقط، بل تفرض على المشرع نفسه، لذا يتوجب على السلطات الثلاث (التشريعية، التنفيذية، القضائية) احترام هذا المبدأ.

اما مبدأ المشروعية فهو فكرة قانونية مستوحاة من القانون الوضعي الذي يعتبر المعيار والحكم لوصف اي اجراء او تصرف بأنه مشروع، بمعنى ان يتم التصرف طبقاً للإطار الذي رسمه القانون، ويمكن ان نخلص الى أن كل ما هو مشروع هو ما اتفق مع التشريع، وأن كل ما هو شرعي هو ما اتفق مع قواعد العدالة والانصاف والكرامة الانسانية والمساواة.

وبناء على ما سبق توضيحه وانطلاقاٌ من احكام الدستور الاردني وتحديداً المواد (6، 16، 23، 128) واحكام الاتفاقيات الدولية لحقوق الانسان ومنظمة العمل الدولية، يمكننا التأكيد على شرعية انشاء النقابات المستقلة وشرعية التصرفات والنشاطات التي قامت وتقوم بها، بالرغم من عدم مشروعيتها بموجب قانون العمل الاردني (المواد 97، 98،100، 103،102) التي منحت السلطة التنفيذية الحق في منح الشخصية المعنوية للنقابات العمالية الجديدة، الأمر الذي يتطلب من السلطتين التنفيذية والتشريعية سرعة التدخل والانحياز لمبدأ الشرعية بتعديل احكام قانون العمل بما ينسجم مع احكام الدستور الاردني والاتفاقيات الدولية وكذلك القيم والمبادئ العليا المستقرة في وجدان المجتمع الاردني المتمثلة بالتشبع بروح الكرامة الانسانية والعدالة والمساواة. كما يؤمل من القضاء الاردني الذي ساهم ويساهم بدور كبير في حماية حقوق الافراد وحرياتهم ان يمارس دوره في حماية حق العمال في تشكيل النقابات والانضمام اليها من خلال تطبيق مبدأ الشرعية بما يضمن في النهاية مواءمة التشريعات الوطنية مع الدستور الاردني وكذلك الاتفاقيات الدولية لحقوق الانسان المصادق عليها من قبل المملكة الاردنية الهاشمية، والتي تم نشرها في الجريدة الرسمية واستقر اجتهاد القضاء الاردني وعلى رأسه محكمة التمييز الاردنية على سموها على التشريعات الوطنية.

وحتى لا يكون هذا الطرح نظرياً وقد يفهم منه التأثير السلبي على الحركة العمالية الاردنية فإنني أدعو الحركات العمالية ومنظمات المجتمع المدني واساتذة الجامعات والمتخصصين في العمل النقابي والعمل الحقوقي للعمل الجاد ودراسة الموضوع من جميع ابعاده وبما يضمن الالتزام بمبدأ التعددية النقابية بوصفه احد اهم عناصر الحريات النقابية وفي الوقت ذاته تعزيز دور الحركة العمالية الاردنية بما يخدم ويعزز حقوق العمال الاردنيين، كما لابد لكافة القوى الفاعلة بالدولة الاردنية من دراسة ومراجعة مفهوم التعددية النقابية واقتراح الاحكام القانونية التي تضمن تطبيقها بما ينسجم مع الواقع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي الاردني بما في ذلك مفهوم النقابة الاكثر تمثيلاً. كما لابد من التركيز على مبادئ الديمقراطية والحكم الرشيد والشفافية والمساءلة في تنظيم وعمل النقابات العمالية سواء بالتأكيد عليها بالتشريعات او الممارسات اليومية.

 

 


بقلم: د. علي الدباس

مفوض الحقوق والحريات

بالمركز الوطني لحقوق الإنسان