انتخابات مجلس النواب السابع عشر في الميزان

هذا المقال لا يعبر عن رأي المركز ولكن يعبر عن رأي الكاتب

ثلاث اسئلة تلخص مجمل الحوارات المجتمعية والنقاش الوطني حول الانتخابات العامة التي اتت بنواب المجلس السابع عشر ، الاول : هل كانت هذه الانتخابات حرة ونزيهة ؟

والثاني : كيف ستكون عليه مخرجات هذه الانتخابات وبالتالي اداء هذا المجلس في هذه المرحلة الدقيقة من مسيرة الاردن ؟ والثالث كيف سيتم التعامل مع نتائج هذه الانتخابات من حيث ادارة المرحلة وبأي نهج يجري ولوج المرحلة المقبلة .

بالنسبة الى السؤال الاول لا اجابة قاطعة بالنفي او الاثبات في هذه المرحلة وذلك لعدة اسباب ، ابرزها اختلاف المنطلقات التي يعتمدها المراقبون والمتابعون لتقويم هذه المرحلة، خاصة فيما يتعلق بمفهوم العملية الانتخابية ، اولا ، والمنظور الذي يتبناه او يختاره من يدلي بدلوه في هذه العملية الوطنية المركبة ، ثانيا ؛ ناهيك عن الاجابات المنتظرة لأكثر من تساؤل، ثالثا . فمن حيث مفهوم " العملية الانتخابية " هناك من يرى جوهر هذه العملية على انه عملية "الاقتراع والفرز " اي احداث يوم التصويت فقط . وبذلك يؤسس هؤلاء حكمهم على هذه العملية استنادا الى احداث هذه المرحلة المقدرة بساعات وايام محدودة فقط .

بالمقابل هناك من يعتبر ان العملية الانتخابية تشمل مراحل اخرى غير عملية الاقتراع والفرز ؛ اذ يضيف اليها مرحلة اعداد جداول الانتخاب واصدار البطاقات الانتخابية والترشيح ومراقبة حملات المرشحين ونشاطاتهم من حيث الدعاية والاعلان. بالإضافة الى عمليتي الاقتراع والفرز. وهنا تضاف الثغرات التي تم رصدها في هذه المراحل المختلفة مثل : التسجيل العائلي الذي وفر بيئة وفرصة لمن يعرفون" بسماسرة " الانتخابات للنشاط وممارسة التأثير على ارادة الناخبين وخيارتهم .

ثم هناك من ينظر الى العملية الانتخابية على انها عملية سياسية اقتصادية اجتماعية ثقافية . فيضيفون الى عناصر الحكم على هذه العملية مثالب النظام الانتخابي الذي امتاز بالصوت الفردي المجزوء الذي يطبق في دوائر متعددة المقاعد كما هي الحال في الدوائر المحلية؛ واخطاء القائمة النسبية المغلقة التي انتهت نتائجها الى عكس الهدف الذى جاءت من اجله لغياب مبدأ " العتبة " او الحاجز المحدد مسبقا ؛ ولغياب عملية الفرز "الديمقراطي" الاولي عبر الية ما على مستوى تشكيل القوائم التي لابد منها لتقرير الاقدمية بين اعضائها.

ويستند اصحاب هذه النظرة الشمولية للعملية الانتخابية الى حقيقة يصعب انكارها تتمثل بأن " الادارة الانتخابية " في واقع الحال هي تعبير عن :

  1. طبيعة الحكومة والنظام السياسي؛
  2. نظرة هذه الحكومة وهذا النظام الى المجتمع والجمهور ؛
  3. النظرة الى قيم الامة وكيفية التعامل معها في اطار تنظيم الجمهور واولوياته ؛

وبهذا سوف يجد مثل هؤلاء المبرر الكافي لإرجاع ما حصل من اختلال وقصور في العملية الانتخابية الى خلل في نظرة الحكومة والنظام السياسي الى كل من المجتمع وقيم الامة . وعندها ستكون الهيئة هي الهدف المباشر لمسائلتها عن مثل هذا الخلل او التقصير المزعوم حيث يوجه النقد اليها ليس كمؤسسة مستقلة وحيادية بل كجزء من الهيكلية الرسمية. لهذه الاعتبارات فإن انتخابات المجلس النيابي السابع عشر واداء الهيئة المستقلة للانتخاب هي تحت المجهر ومن زوايا مختلفة، والطرفان تحت رحمة توفر شروط الموضوعية والحيادية في الحكم الى جانب الحصول على المعلومة الصحيحة لمن يمارس مثل هذا الحكم على أي منهما و هذه المتطلبات تعتبر من العملة النادرة في هذا الظرف بالذات .

فالمواطنون ينظرون الى هذه الانتخابات من منطلق تجاربهم السابقة ومثل ذلك نظرتهم الى التطمينات بأنها ستكون مختلفة تماما عن سابقتها. واذا كان هؤلاء قد اطمأنوا الى التزام الهيئة المستقلة حسب قانونها وتصريحات رئيسها بأنه لن يقبل اي تأثير من اي جهة كانت على ارادة الناخبين او على عملية تطبيق القانون بحق اي من المرشحين او انصارهم في حال وقوع اشتباه باقتراف اي جرم انتخابي الا انهم قد وقعوا تحت تأثير الالتباس الذي احدثته بعض الاخطاء والتصرفات التي لم يتم توضيحها بالشفافية المطلوبة من قبل الهيئة لهذه الحالات في المفاصل الحرجة . كما انهم يتوقعون نقلة نوعية وافتراق كامل مع حالة عدم اليقين والتشكك التي يمر بها المجتمع والدولة ازاء هذه الانتخابات . لذلك فإن اي شبهة خطأ او خطأ ( مقصود او غير مقصود) او ثغرة ادارية سوف تضاف الى قائمة التشكك والاحباط المتضخمة لدى المواطن لاسباب اخرى كثيره، وبالتالي ستحسم من رصيد الهيئة وجهودها وتصميم رئيسها على تسليم منتج جيد. ولذلك يجب الا يستغرب احد اذا ما طعن البعض بدور الهيئة وبدوا غير مقتنعين بتاكيدات رئيسها انها انجزت المهمة بحيادية واستقلالية ومهنية بمعنى اخر سيكون هناك على الصعيد الوطني اكثر من تقويم ورأي حول اداء الهيئة وحول حصانة انتخابات المجلس السابع عشر . وهذه النتيجة تقودنا مباشرة الى السؤال الثاني حول انتخابات المجلس الجديد ، وهو :

ماذا سيكون عليه اداء هذا المجلس ؟

وتبدأ الاجابة على هذا السؤال بالإشارة الى ان الخلاف في الحكم على العملية الانتخابية بين المواطنين حول نزاهة العملية من عدمها انتقل او استمر في صفوف هؤلاء المواطنين حول موضوع التنبؤ بأداء المجلس المستقبلي . فالرأي العام يتطلع الى افتراق في عمل المجلس الجديد والبرلمان عن اداء سابقيه التي اتسمت من وجهة نظر المواطن بالتبعية للسلطة التنفيذية وبالتشريع لتحقيق مصالح ومنافع شخصية وامتيازات وكذلك اغلاق ملفات فساد كان الرأي العام مهتما بالوصول الى حقائق مقنعة بشأنها من خلال معالجة اكثر عمقا والتزاما بالشفافية والموضوعية لها . كما يتطلع المواطنون الى اداء يعيد الثقة بالمجلس النيابي وبالسلطة التشريعية من حيث استقلاليتها تمثيلها لمصالح الوطن والمواطن وذلك بمراقبة اكثر جدية لإداء الحكومة وقدرة على التشريع لقوانين مبنية على رؤى واستراتيجيات وبرامج وطنية عبر كتل حزبية متماسكة ومنسجمة بحيث يكون عمل البرلمان " رقابة وتشريع لا وجاهة وتنفيع " كما يقول الاصطلاح الدارج .

وحول استقراء اداء المجلس الجديد لا بد ان يستعين المرء ببعض المؤشرات او الافتراضات منها : طريقة انتخاب اعضاء هذا المجلس ، الشعارات التي طرحها المرشحون ( خاصة من فاز منهم ) ، الاسس او المعايير الوطنية ( ان وجدت ظاهرة ) التي تم انتخاب من فازوا على اساسها ، الاستعداد والقدرة لدى الاعضاء لا سيما الاعضاء الجدد من الاستفادة من التجربة المستقاة من المجالس السابقة خاصة من ناحية وضع نظام داخلي فعال ، القدرة على تشكيل كتل نيابية نوعية تقسم بالتماسك والاستقرار وتستند الى رؤية وبرنامج ... الخ ).

ومع ان نظرة سريعة للخلفية للأكثرية من الاعضاء الاجتماعية والفكرية وحتى السياسية تشير الى انها متشابهة او متقاربة جدا ولا يوجد تفاوت واضح في الرؤى ، الا ان معظم من انتخبوا – حتى من خلال القائمة العامة – جاءوا على اساس "محلي ، خدمي " بشكل اساسي ؛ ومنهم من جاء بفعل الدعم العائلي او الطائفي او العشائري او الجهوي . وحتى الحضور البارز لحزب الوسط الاسلامي في المجلس فهو متواضع في ضوء العدد الكبير للأعضاء الاخرين . والاهم ان التنافس بين المرشحين على مقاعد هذا المجلس كان على اساس شخصي فردي والافضليات او الخيارات امام الناخبين كانت محدودة جدا او معدومة لغياب البيئة التنافسية الفعلية على اساس البرامج والسياسات والقدرات ، وللدور الذي لعبه المال والنفوذ في شراء الاصوات .

لذلك يبقى الامل ان يتمكن الاعضاء او غالبيتهم من الانقلاب على انفسهم والخروج على البيئة السياسية والاجتماعية التي اتت بالأكثرية منهم ليختطوا نهجا مختلفا عن التوقعات ويؤسسوا لتجربة تشريعية وطنية فعالة ورائدة تنقطع بشكل كبير عن نهج وممارسة المجالس السابقة وتكون مؤثرة على السلطتين الاخريين ليفعلا الشيء ذاته بحيث يدخل الاردن في مسار الاصلاح والتغيير الفعلي .

اما السؤال الثالث والاخير فليس له علاقة بالهيئة المستقلة ودورها او بنزاهة الانتخابات من عدمها او بفاعلية المجلس الجديد او غيابها ؛ بل يتعلق بالكيفية التي سيدير بها اهل الشأن مجتمعين في المرحلة المقبلة او كيف سينظرون الى نتيجة الانتخابات من حيث تأثيرها على العلاقة بالقوى التي قاطعت وبالحراك الشعبي الذي يدور الجزء الاهم منه ليس في الشارع والساحات العامة بل في البيوت وقاعات النقاش ومراكز البحث والاهم في رؤوس المواطنين حول ظروف المرحلة وتحديد كيفية ادارة الازمة خاصة هل سيكون العنوان هو : حق الاغلبية ( بغض النظر عن الكيفية التي اتت من خلالها ) بقيادة المرحلة وتحديد الاولويات فيها.ومدى وسرعة الاصلاح ، ام يتم ذلك باعتبار ان البلاد تدخل مرحلة جديدة من خلال التوافق الوطني على الاساسيات ليصار بعدها الى التنافس بين مختلف القوى والاتجاهات على اساس القدرة والكفاءة على توفير الحلول والرؤى والبرامج .

اخيرا ، بعد هذه الملاحظات السريعة حول عنصري الانتخابات النيابية العملية والمنتج لا بد من القول ان الحكم على العملية الانتخابية سوف ينتظر اولا نتائج الطعون والاجابة على الجدي من الاحتجاجات وكذلك نوعية المنتج واداء المجلس ليرى المراقب والمواطن كم اثرت الثغرات والاختلالات او الانتهاكات في حصيلة الاداء الوطني لهذا البرلمان الجديد بمجلسيه سواء كانت تلك المتأتية من طبيعة القانون الانتخابي والمال الاسود او الاعتبارات الاجتماعية الثقافية او محاولات التأثير في النتيجة من اي طرف او جهة ؟ وكيف سيكون عليه تأثير الادارة العامة للدولة واستخدام الاغلبية البرلمانية القائمة .غير ان هذا لا يمنع من القول ودون استخدام كلمات او عبارات معبأة او محشوة بمضمون قانوني او سياسي - او اخلاقي معين ومسبق – ان الاصوات التي ادلى بها الناخبون – وتحت اي تأثير – قد افرزت الى حد كبير الفائزين ؛ وان اداء الهيئة المستقلة كان افضل من اداء الادارات التي اشرفت على الانتخابات السابقة من حيث الحيادية والمصداقية وان لم تخل هذه الادارة من الثغرات التي حرمتنا من نطق العبارة السحرية التي كنا نريد قولها في هذه المناسبة الهامة والتجربة المفصلية ؛ وكانت قريبة جدا وعلى رأس السنة الكثيرين ممن راقبوا او رصدوا هذه التجربة . لكن حروف هذه العبارة لم تكتمل - للأسف – وان وصل معناها او فحواها من خلال عبارة قريبة منها هي : انتخابات مختلفة بإدارة مختلفة وبإرادة مختلفة وبدرجة مقبولة من الحيادية والاستقلالية .

 


بقلم: سعادة الدكتور موسى بريزات

المفوض العام للمركز الوطني لحقوق الإنسان