المواطنة بين إثم الماضي وإشكاليات الحاضر

هذا المقال لا يعبر عن رأي المركز ولكن يعبر عن رأي الكاتب

مفهوم المواطنة يعتبر من أهم الركائز في بناء مجتمع الديمقراطية، هذا المصطلح الحاضر في السياق النظري والغائب عن برامج وسياسات العمل أدخل المنطقة العربية في تأزمات المواطنة وأبجدياتها، مما أدى الى خلق أجيال وثقافة جديدة بعيدة كل البعد عن مضامين وعناصر ومكونات هذا المفهوم، في غفلة من الزمن تكشفت كل تابوهات التغييب الحقيقي لهذا المفهوم فعجزت الحكومات بكافة كوادرها أن تجابه ردات الفعل والازمات التي يمر فيها الشارع.

ويعاود من يدير الشأن العام يترنح في السؤال: لماذا يفعل الشباب هكذا؟ ولماذا هذه السلوكيات ؟ هؤلاء غير منتمين الى وطنهم ؟ هؤلاء خلفهم أجنده غير وطنيه ؟ هؤلاء متآمرون على الوطن ؟ هؤلاء يعيثون بالمال العام والخاص تخريباً وفساداً ؟؟ وغير ذلك من الاسئلة الطبيعية في سياقها الزمني غير المعقولة ولا المتصورة في سياقها التاريخي، وقبل طرح مثل هذه الاسئلة كان من الواجب علينا أن طرح أسئلة أو اعادة صياغة الاسئلة كمتطلبات سابقة لهذه الظواهر وغيرها الكثير ماذا قدمنا للوطن؟ وماذا يعني مفهوم الوطن؟ والمواطنة؟ وماذا تضمنت مناهج التربية والتعليم والجامعات وكتب التربية الوطنية من ادماج عناصر ومكونات المواطنة ؟ وماذا وضعنا من خطط واستراتيجيات لمواجهة أي خروقات لمفهوم الحق والواجب وهل هناك فعلا حق وواجب؟ وهل تم توعية المواطن بهذه الحقوق والواجبات؟ وهل المؤسسات من الاسرة والمدرسة والمسجد والجامعة والاعلام وغيرها مدركة لمفهوم المواطنة؟؟؟

لطالما كنا نتوق الى مفاهيم المواطنة وان تشكل منطلقات في الممارسة الفضلى بتجلياتها وأبعادها لتشكل شعلة تنير طريق السالكين اليها، فعلاً إن الركن المعنوي في المواطنة يصل لحد التصوف لأن من يقدم مالة ودمة وروحه لوطنه فهو صوفي في حب الوطن ، للأسف الحكومات المتعاقبة لم تدرك عظم وجسامة المسؤولية المترتبة على هذا المفهوم وضرروه أن يشكل أحد مسلمات التنشئة لدى الجميع في المدرسة والجامعة والمعهد والكلية والنادي وغيرها وأن ترتقي الممارسات الرسمية لدرجة عدم المساس بعناصر ومكونات مفهوم المواطنة من حيث المساواة وسيادة القانون والعدالة وعدم التمييز مناطها الحقوق والواجبات.

إذ ما اعتبرنا المواطنة نسبة إلى الوطن الذي هو مولد الانسان والبلد والمكان الذي يعيش فيه ويتسع معنى المواطنة ليتمثل التعلق بالبلد والانتماء إلى تراثه التاريخي ولغته وعاداته ليتسع المفهوم الى الهوية وهو الفهم الاشمل، ويشكل مفهوم المواطنة في ظل تحرك المجتمع وتداخل علاقاته الانسانية بكافة أشكالها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية موروث مشترك من المبادئ والقيم والعادات والسلوكيات ليساهم في تشكيل شخصية المواطن ويمنحها خصائص تميزها عن غيرها، وبهذا الفهم المشترك يصبح استمرار وحماية هذا الموروث جزء أصيل من مسيرة وتقدم المجتمع، ولزوم ذلك تمتع بالحقوق والقيام بالواجبات والتي تشكل بمجملها أداة بناء مواطن قادر على العيش بسلام وتسامح مع غيره على أساس المساواة وتكافؤ الفرص والعدل وسيادة القانون بقصد المساهمة في بناء وتنمية الوطن والحفاظ على العيش المشترك فيه.

ولمفهوم المواطنة أبعاد متعددة تتكامل وتترابط في تناسق تام لتشكل هذه الكينونة المعنوية الجامعة لشعب يعيش على بقعة جغرافية وأرتضى العيش المشترك لوجود مثل هذه الجوامع المشتركة تتمثل في البعد القانوني الذي يتطلب تنظيم العلاقة بين الحكام والمحكومين إستناداً إلى العقد الاجتماعي الذي يوازن بين مصالح الفرد والمجتمع ويبين الشكل السياسي للدولة، أما البعد الاقتصادي والاجتماعي يهدف الى إشباع الحاجات المادية الأساسية للمواطن ويحرص على توفير الحد الأدنى اللازم منها ليحفظ كرامتهم وإنسانيتهم ويضمن أن تلبي كافة البرامج الاقتصادية الاحتياجات الاجتماعية ويجب أن يشترك المجتمع في صياغة النظام الاقتصادي الذي يريد بطريق مباشر أو غير مباشر، اما البعد الثقافي الحضاري يقصد به الجوانب الروحية والنفسية والمعنوية للأفراد والجماعات على أساس احترام خصوصية الهوية الثقافية والحضارية ورفض محاولات الاستيعاب والتهميش والتنميط.

وفي العصر الحديث لم تعد المواطنة وضع حقوقي فقط بل أصبحت سلوك أخلاقي ومشاركة فعالة وممارسة يومية في حياة المجتمع أكثر من كونها وضع قانوني مرتبط بالهوية، فالمواطنة عملية بناء مستمر، مفاد ذلك أن إرادة المواطنين في العيش المشترك يجب أن تتجدد يومياً ويمكن أن تعبر عن نفسها بصور وأشكال جديدة مع التأكيد على عدم إقصاء أي طرف.

وعليه، فإن هناك قيم للمواطنة تتمثل في المنظومة الاخلاقية السائدة في المجتمع وهي الرباط المعنوي بين جميع المواطنين والذين يحافظون عليه ويراعونه دون أي الزام قانوني وانما ترتقي فيه المواطنة لدرجة الالتزام الاخلاقي مثل التضامن ومن تجلياته التسامح واحترام الاختلاف واحترام النظام العام وكذلك المسؤولية وتقوم على احترام المواطنين للقوانين والقواعد والأعراف القائمة في المجتمع ووعي المواطن لواجباته تجاه وطنه ومجتمعه وقيامه بالتوعية بها، والمشاركة الفعالة في الحياة اليومية والعامة، والعمل على تغليب المصلحة العامه على المصالح الشخصية.

وقدم المفكر جون كوجان الأستاذ بجامعة مينيسوتا خمسة عناصر للمواطنة تقوم على الاحساس بالهوية، والاستمتاع بحقوق معينة، والقيام بالتزامات والواجبات، والاهتمام بالأمور العامة والانشغال بها، وتقبل القيم المجتمعية الأساسية. هذه منظومة متكاملة من العناصر والمبادئ وفهم عام للمواطنة يجب أن تشكل مرتكزات ومنطلقات عمل في كافة مؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات الرسمية ولعل الأسرة المكان الاول الذي لها الدور الاكبر في تعزيز وترسيخ هذه القيم ومن ثم المدارس بكافة مكوناتها من مناهج ومعلمين وطرق تدريس وبرامج واساليب تدريس وغيرها وصولاً الى دور العبادة من مساجد وكنائس والمؤسسات التعليمية من لجامعات وكليات ومعاهد والجمعيات الاهلية والحقوقية وغير ذلك من مكونات المجتمع المدني ولا يفوتنا الدور الهام للإعلام في مخاطبة الرأي العام والتنبيه لكل سلبيه وتعزيز الايجابية.

هذا الارث الكبير من المفاهيم يتطلب إرادة راغبة وصادقة في العمل من قبل الجميع لبلورة رؤيا حقيقية تجاه ترجمة مكونات وعناصر المواطنة الى سلوك يومي معاش، فلو تسألنا كم من هذه السلوكيات غدت مفقودة في مجتمعنا من حيث التضامن والتسامح أو إدراك الحقوق والقيام بالواجبات على أقل تقدير. تغييب هذه المفاهيم أدى الى مراكمة تجارب سلبيه في الجامعات والمدارس والمؤسسات وممارسة الحقوق حتى انطلقت من عِقالها لتشكل اليوم أحد اهم الاشكاليات التي تقوض بنيان المجتمع ويبحث الجميع عن حلولا لها مؤشرات المواطنة العلمية الانشغال بالمشاركة بالحياة العامة من مناسبات وطنية وأعياد وطنية ودينية والمشاركة السياسية والقيام بالحقوق والواجبات هذه مؤشرات يجب أن تقرأ جيداً لتشكل منطلقات عمل مستقبلية.

 

 

 

 

الأستاذ صدام أبو عزام

المركز الوطني لحقوق الإنسان