التوقيف الاداري بين مطرقة الامن والسلم الاجتماعيين وسندان الحقوق والحريات

هذا المقال لا يعبر عن رأي المركز ولكن يعبر عن رأي الكاتب

القاعدة القانونية احتياج اجتماعي ثبت في ضمير المجتمع الزاميتها, وبالتالي فإن شرعنة هذه القواعد وإخراجها بصيغة قانونية يتم بسلسلة من الإجراءات المنظمة التي لا يجوز الإخلال بأي حلقة فيها وإلا اعتبر هذا القانون "إثما تشريعيا" وليس قانونا. فخلاصة هدف التشريع هو الوصول إلى قاعدة ناظمة لسلوك اجتماعي, ولعل طرح القاعدة القانونية للنقاش خلال فترة زمنية يعد أنجع الوسائل للوصول إلى قاعدة قانونية تتمتع بالثبات والاستقرار وتلبي احتياج المجتمع.

وينطبق على مسودة قانون منع الجرائم التي يزمع مجلس الأمة نقاشها هذا الوصف لعدة أسباب; فالمسودة جاءت خالية من أي موجبات وغايات للتعديل, وبالتالي اقتصرت التعديلات على أمور شكلية لم تمس جوهر القانون من قريب أو بعيد, بل هي تراكيب لغوية بطريقة جديدة.

لم تراع المسودة التغييرات والتحولات التي رافقت الواقع الاجتماعي والحقوقي والدستوري, سيما أن الحقبة الزمنية التي صيغ فيها القانون الأصلي لا تتناسب كلياً مع واقع المجتمع الأردني الحالي من استقرار القضاء وقدرته على الفصل في كافة النزاعات. فلم يعد متصوراً في هذا الوقت أن يبقى قانون منع الجرائم يسند صلاحيات قضائية لأشخاص ليسوا من رحم المجلس القضائي ودون مراعاة لمعايير وضمانات المحاكمة العادلة. ومن غير الجائز أن يتم منح أي شخص خارج الجسم القضائي صلاحيات التحقيق وسماع الشهود وإصدار الأحكام في جرائم ومخالفات ومنح صلاحية إنزال العقوبات وغيرها من صلاحيات في ظل وجود مجلس قضائي مستقل أنى كان المبرر, وعليه يشكل هذا القانون اعتداء على صلاحيات السلطة القضائية بالمعنى الدقيق لذلك.

ويثور تساؤل آخر في هذا الموضوع يتعلق بتجاهل الحديث عن العقوبات البديلة وتغيير فلسفة العقوبة من عقابية إلى إصلاحية, وعما قدمت مسودة القانون للعقوبات البديلة وإصلاح المتهم, ولا يستقيم القول بأن هذا القانون يحافظ على الأمن والسلم الاجتماعيين لان ذلك يخالف الدستور ويشكل اعتداء على الحقوق والحريات, وهذه الذريعة لتبرير وجوده غير صالحة لأن سبب وجود القوانين لا يمكن أن يكون ذرائع وهواجس.

وبنظرة فاحصة إلى مسودة القانون نجد بعض الإشكاليات, فهي تفوض الحاكم الإداري "المتصرف" صلاحيات مطلقة في إصدار قرار الحبس دون تحديد مدة أو ضوابط, إذ يستطيع الحاكم الإداري إصدار أمر التوقيف بسبب الامتناع عن تقديم الكفالة مما يبرر الاستمرار في توقيف الشخص لأجل غير معلوم.

كما تمنح المسودة الحاكم الإداري صلاحية مطلقة في تحديد مبلغ الكفالة ونوعها وشخص الكفيل ورفض قبول أي كفيل لا يرضى عن كفالته, مما يجعل عملية تقديم الكفالة نوعا من المستحيل الواقعي والقانوني فضلاً عما يتخللها من إجراءات ودفع رسوم وغيرها.

ترافق العبارات الفضفاضة كافة مواد مسودة القانون التي تشير إلى الصلاحيات المطلقة والواسعة مثل المادة (3) التي تحتوي على عبارات فضفاضة ومطلقة: (إذا كان لديه ما يحمله على الاعتقاد), (رأى أن هنالك أسبابا كافية), (فيجوز له أن يصدر), (ليبين إذا كان لديه أسباب تمنع من ربطه), (إما بكفالة كفلاء أو بدون ذلك), (خلال المدة التي يستصوب المتصرف تحديدها) كما فوضت المادة الثالثة الحاكم الإداري صلاحيات واسعة في تحديد الشخص الذي يعتبر خطراً على السلامة العامة بدون أن تضع أسسا ومعايير موضوعية يتبعها الحاكم الإداري ليحدد الشخص الخطر على السلامة العامة.

ما الجديد في مسودة القانون المعدل لقانون منع الجرائم؟

تنص المسودة الجديدة على ما يلي: "إذا تبلغ أي شخص من المذكورين في المادة (3) من هذا القانون مذكرة للحضور أمام الحاكم الإداري ولم يمثل أمامه خلال المدة المحددة في المذكرة فللحاكم الإداري أن يصدر مذكرة للقبض على ذلك الشخص, على أن يصدر الحاكم الإداري قراره بشأن ذلك الشخص وفق أحكام هذا القانون خلال مدة لا تزيد على 24 ساعة من تاريخ القبض عليه".

كان الأجدر بالمشرع في هذه المادة أن يقول انه إن امتنع الشخص من المثول أمام الحاكم الإداري ينظم بحقه ضبط ويحال إلى المدعي العام كون القضاء صاحب الصلاحية في إصدار مذكرات الضبط ولا يجوز تفويض هذه الصلاحية لغير القضاء.

تنص مسودة القانون المعدل على انه إذا تخلف الشخص الذي صدر قرار بتكليفه عن تقديم تعهد وفق أحكام الفقرة (2) من المادة (5) فللحاكم الإداري أن يقرر توقيفه لمدة لا تزيد على 15 يوما غير قابلة للتجديد ويكون قرار التوقيف قابلاً للاعتراض أمام وزير الداخلية أو من يفوضه, وهذا النص يكرس نزع الاختصاص من القضاء ويبتدع طرقا جديدة من شأنها أن تصبح نهجاً في عدم ضمان المحاكمة العادلة إذ يوحي هذا النص بان هناك نية مسبقة لعدم منح القضاء اختصاصه الأصيل.

ورغم وجود نص في الفقرة (2) من نفس المادة على إطلاق سراح الموقوف أو إحالته إلى القضاء إذا وجد ما يستدعي ذلك, إلا أن الاختلال في النص لا يزال قائما إذ لا يمكن قبول صياغة نص بهذا الشكل يفوض فيه الحاكم الإداري توقيف الأشخاص ويبقي الصلاحيات المطلقة على سبيل التخيير للحاكم الإداري, فهذه الصياغة غير مقبولة شكلاً ومضموناً.

ولتأمين رعاية وحماية الشخص المعرض للخطر لحين زوال الأسباب الداعية لذلك كان الأجدر أن ينص القانون على أن ينسب الحاكم الإداري في ذلك إلى المدعي العام وهو من يصدر القرار ويحدد مكان الحماية لهذا الشخص, هذا بالإضافة إلى التأكيد على أن تتم ملاحقة مصدر الخطر وإحالته إلى القضاء بدلا من أن يعاقب البريء ويترك الجاني.
ونقترح بصفتنا نشطاء في حقوق الإنسان في حال الإصرار على إقرار القانون المعدل أن تقوم اللجنة القانونية في مجلس الأمة بحصر صلاحيات التوقيف في الجرائم الخطيرة (الجنايات) مثل جرائم القتل والزنا والسفاح وهتك العرض والاغتصاب على سبيل الحصر تحت إشراف السلطة القضائية بما يتوافق مع قانون العقوبات وقانون أصول المحاكمات الجزائية الذي حد من حالات التوقيف.

كما نقترح البحث عن بدائل للإقامة الجبرية ونقل تلك الصلاحية إلى السلطة القضائية, وقصرها على وجود حالة التكرار الجرمي في مجال الاعتداء على الأشخاص وتحديداً جرائم القتل وهتك العرض والإيذاء البليغ وجرائم السرقات الموصوفة (الجرائم الخطيرة) وفي حالة التكرار أيضا, مع الأخذ بمبدأ ملاءمة الإجراء الضبطي مع الخطورة الجرمية عند فرض الإقامة الجبرية.

ولتحقيق العدالة نطالب بالإسراع في إنشاء سجل عدلي لدى وزارة العدل مبني على أحكام قضائية مبرمة بدلاً من الاعتماد على السوابق لدى الجهات الأمنية, وتحديد حد أعلى للكفالة المالية وعدم المبالغة في قيمتها, وأخيرا سحب صلاحية الحاكم الإداري في إصدار مذكرات القبض والتوقيف وإحالة ذلك إلى الادعاء العام.

 

 

المحامية نسرين زريقات                                المحامي صدام أبو عزام