التظاهر والاضراب بين القوانين الوطنية والمعايير الدولية لحقوق الإنسان

هذا المقال لا يعبر عن رأي المركز ولكن يعبر عن رأي الكاتب


كرم الله سبحانه وتعالى وفضّله على كثير من المخلوقات بقوله تعالى (ولقد كرمنا بني ادم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا) صدق الله العظيم. فالكرامة الانسانية هبة من الله وتعالى ولا يجوز التطاول عليها في هذا العالم الذي تغيرت فيه الثوابت والركائز خاصة منها المتعلقة بحقوق الانسان مثل حقه في الامن والعيش الكريم هذا العالم الذي شهد العديد من التحولات في قيمه وصيغت سطور صفحاته الانسانية بازدواجية واختراق لابسط حقوق الانسان, كما ان حقوق الانسان ليست منحة تقدمها الحكومات لشعوبها وهي ليست قابلة للسحب والانتقاص لانها اساس رقي الانسان وحضارته. لكن السبيل الى احترام تلك الحقوق الانسانية ما زال طويلا وشاقا فالالتزام بحقوق الانسان كما اقرتها العهود والمواثيق الدولية يجب ان يكون مطلقا غير مشروط الا في حالات استثنائية محددة ليكون الانسان سيد امره. وبعد فقد اصبحت قضية حقوق الانسان والديمقراطية من القضايا التي تطرح نفسها بقوة في اواخر القرن العشرين على الرغم من ان مشكلة تحقيق الديمقراطية قديمة قدم الانسانية ومطلبا سعت الى تحقيقه الثورات التحررية كالثورة الفرنسية وكذلك المنظمات الدولية. وتعتبر حرية الرأي والتعبير حجر الزاوية للعديد من الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية, ويعتبر الحق في التجمع السلمي والحق في تشكيل الاحزاب والجمعيات والانضمام الى النقابات في مقدمة هذه الحقوق, كما يعتبر حق التجمع السلمي بالاعتصام والتظاهر والاضراب عن العمل من ابرز مظاهر هذا الحق. ان تعزيز الاستقرار السياسي والمسار الديمقراطي وتمكين الافراد والجماعات من ممارسة الحق في التجمع السلمي باعتباره حقا متلازما لحرية المشاركة في الجمعيات والحق في تأسيس الاحزاب والنقابات والانضمام اليها, يفضي الى الوصول الى مجتمع مدني في حالة وفاق مع الحكومة, حيث ان الاصل ان المجتمع المدني المستقل لا يكون في حالة صراع مع الحكومة, بل ان دور مؤسسات المجتمع المدني يجب ان يكون خلق مواطن يحترم الدولة ويسعى للمشاركة فيها. وتشكل حرية التجمع السلمي حقا من حقوق الانسان الأساسية اذ قررها الاعلان العالمي لحقوق الانسان ,1958 كما أكدها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية, حيث نصت المادة (21) منه على ان »يكون الحق في التجمع السلمي معترف به ولا يجوز ان يوضع من القيود على ممارسة هذا الحق الا تلك التي تفرض طبقا للقانون, وتشكل تدابير ضرورية في مجتمع ديمقراطي, لصيانة الامن القومي, او السلامة العامة, او النظام العام, او حماية الصحة العامة, او الآداب العامة او حماية حقوق الآخرين وحرياتهم«. وترتبط حرية التجمع السلمي بالحق في حرية الرأي والتعبير ارتباطا وثيقا باعتبارها مظهرا من مظاهر التعبير عن الرأي, بالاحتجاج السلمي بوساطة كتابة العرائض وجمع التوقيعات والتظاهر والاعتصام والاضراب عن العمل, علاوة على كونها حقا من حقوق الانسان الاساسية كما اشرنا. والمقصود بحرية التجمع السلمي »قدرة المواطنين على الالتقاء بشكل جماعي بعقد الاجتماعات العامة او المؤتمرات او المسيرات او الاعتصامات السلمية, وبغض النظر عن الجهة المنظمة, وذلك ليتبادلوا الرأي ويبلوروا مواقفهم تجاه قضايا مختلفة, ويمارسوا ضغطا على السلطة التنفيذية بهدف التعبير عن مواقفهم وتحقيق مطالبهم«. وبذلك يعتبر التجمع السلمي وسيلة من الوسائل ذات الطابع الجماعي في التعبير عن الرأي وتداول الآراء في مختلف المواضيع السياسية والاجتماعية وغيرها وضروري لممارسة الديمقراطية. ولقد اقر الدستور الاردني حرية الرأي والتعبير, حيث ضمن حق الاجتماع وتأليف الجمعيات والأحزاب السياسية في حدود القانون كما جاء في المادة (16) منه. وبناء على ذلك, فإن حرية التجمع والتعبير عن الرأي (التظاهر السلمي) حتى في المعايير الدولية لم تكن مطلقة الا ان القيود الواردة عليها يجب ان تكون في اضيق الحدود, لضبط ممارسة الأفراد لها وللحيلولة دون استغلالها بشكل مغاير للغاية والأهداف التي أقرت من أجلها, وهي الوصول الى توازن منصف بين حقوق الفرد وحرياته في مجتمع ديمقراطي, كما انها مؤشر الى احترام الدولة لهذا الحق لأن التفاعل بين مبدأ حرية الرأي والتعبير وهذه القيود يوضح النطاق الفعلي لحرية الفرد, وان تكون تلك القيود محددة بنص القانون, وضرورية لتحقيق اهداف وغايات محددة اهمها احترام حقوق الآخرين وسمعتهم, وهذا المبدأ يفرض احترام حقوق الآخرين, ويرد على ممارسة حقوق الإنسان الاساسية في ما يعرف بمبدأ حظر سوء استخدام الحقوق (التعسف في استعمال الحق), فلا يجوز لأحد ان يبرر انتهاك حقوق الآخرين استنادا الى حقوقه الخاصة, ونظرا لاهمية هذا الحق للفرد والدولة معا, أكدت الشرعة الدولية عليه ووضعت المعايير المقبولة لممارسته. - الاضراب في المواثيق الدولية الاضراب هو: »امتناع عمال المنشأة او فريق منهم عن العمل بطريقة منظمة ولمدة محددة مرتبط للمطالبة ببعض حقوقهم«. ويعتبر الاضراب احدى اهم الاليات التي يستخدمها العمال للدفاع عن مصالحهم وهناك دول تقنن حق الاضراب, وهناك دول اخرى تتجاهل هذا الحق فلا تحظره وهناك تشريعات دول اخرى تضع عقوبات جنائية على قيام العمال بالاضراب. وقد جاء النص على حق العمال في الاضراب بالعهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية بالمادة (8/1/د) منه حيث نصت (تتعهد الدول الأطراف في هذا العهد بكفالة ما يلي: (د) حق الاضراب, شريطة ممارسته وفقا لقوانين البلد المعنى. وكذلك في الاتفاقية رقم 87 الصادرة عن منظمة العمل الدولية التي ذهبت الى ان شروط الاضراب المشروع يجب ان تكون مرتبطة بمطالب يمكن تنفيذها والا يكون من شأنها التقليل من الوسائل المتاحة امام المنظمات النقابية. وذهبت منظمة العمل الى انه قد يكون مقبولا فرض التزام على النقابات باخطار صاحب العمل قبل الدعوة الى اضراب, وكذلك مما يتفق مع الالتزامات والاجراءات الواردة في الاتفاقية التي تضمنت فترة (تهدئة) قبل الدعوة الى اضراب ولكن لا يجب ان تكون هذه الاجراءات ثقيلة لدرجة تجعل حدوث اضراب شرعي امراً مستحيلاً في الواقع. ووفقا للمعايير الدولية لحقوق الانسان يكون من المقبول حظر الاضراب في بعض الخدمات او المنشآت الجوهرية ولكن يجب الا تعامل منشآت الدولة جميعها على انها منشآت جوهرية. كما بينت منظمة العمل الدولية انه يمكن القول ان من الانشطة الجوهرية التي من الممكن منع الاضراب فيها مثل الخدمات المتعلقة بالامداد بالمياه وعمال المستشفيات. واعتبر ايضا ان انسحاب مراقبي خدمات الطيران الجوي يعرض حياة عدد كبير من الركاب والملاحين لخطر, الامر الذي جعل استبعاد هذه الطائفة من مزاولة حق الاضراب لا يمثل انتهاكا لمبادىء الحرية النقابية. - حق الاضراب في قانون العمل الاردني: ورد حق الاضراب في قانون العمل الاردني في المواد (134-136) منه حيث نص: في المادة 134 »لا يجوز لأي عامل ان يضرب او لاي صاحب عمل ان يغلق مؤسسته في اي من الحالات التالية: أ- اذا كان النزاع محالا على مندوب التوفيق او مجلس التوفيق او المحكمة العمالية. ب- خلال المدة التي تكون فيها اية تسوية نافذة المفعول اي قرار معمول به وكان الاضراب او الاغلاق يتعلق بالمسائل المشمولة بتلك التسوية او ذلك القرار. ونص ايضا في المادة 135 منه" أ. لا يجوز للعامل ان يضرب دون اعطاء اشعار لصاحب العمل قبل مدة لا تقل عن اربعة عشر يوما من التاريخ المحدد للاضراب وتضاعف هذه المدة اذا كان العمل متعلقا باحدى خدمات المصالح العامة. ج. تحدد الشروط والاجراءات الاخرى للاضراب والاغلاق بموجب نظام يصدر لهذه الغاية«. لذا فقد صدر نظام شروط واجراءات الاضراب والاغلاق رقم 8 لسنة 1998 الذي فصل كثيرا من الاجراءات التي تكفل هذا الحق وتنظمه حيث نص في المادة 3 منه على أن »تعتبر من خدمات المصالح العامة المشار اليها في القانون«. اية خدمة من خدمات المرافق العامة بما في ذلك خدمة البريد والاتصالات السلكية واللاسلكية والماء والكهرباء والمحروقات والنقل والمستشفيات والمخابز وصناعة الادوية اي قسم يتعلق بصيانة المؤسسة او سلامة العمال المستخدمين فيها اثناء العمل اي خدمة يصدر قرار من مجلس الوزراء بناء على تنسيب وزير العمل على انها من خدمات المصلحة العامة على ان ينشر قرار مجلس الوزراء في الجريدة الرسمية. وكذلك المادة 4 منه نصت على »أ. يجب ان يكون الاشعار بالاضراب كتابيا ومتضمنا لموضوع النزاع وتاريخ الاضراب المزمع القيام به. ب. يجب ان يكون الاشعار بالاضراب موقعا من قبل العمال او النقابة الممثلة لهم شريطة ذكر وتحديد فئات العمل المعنيين بوضوح. ج. يجب ان يقدم الاشعار بالاضراب الى صاحب العمل او من ينوب عنه وفي حالة تعذر ذلك يجوز ارساله بالبريد المسجل ويعتبر التبليغ قد تم بعد مضي سبعة ايام من تاريخ ارساله ويتوجب تبعا لذلك تغيير تاريخ البدء بالاضراب من تاريخ انتهاء هذه المدة«. وجاءت المادتان 5 و 6 من النظام لتبينا شروط الاضراب الشكلية التي يجب القيام بها قبل تنفيذ الاضراب ليكون مشروعا قانونا حيث نصت على »أ. يجب ان يكون الاشعار بالاغلاق كتابيا ومتضمنا لموضوع النزاع وتاريخ الاغلاق المزمع تنفيذه. ب. يجب ان يكون الاشعار بالاغلاق موقعا من صاحب العمل او من ينوب عنه ويجب تسليم الاشعار مباشرة للعمال المعنيين او النقابة التي تمثلهم واذا تعذر ذلك يتم الاعلان عنه في مكان بارز في المؤسسة ويتوجب تبعا لذلك تغيير تاريخ البدء بالاغلاق من تاريخ الاعلان. يجب ان ترسل نسخة من الاشعار بالاضراب او الاشعار بالاغلاق المنصوص عليهما في هذا النظام مباشرة وباليد الى المديرية. (والمقصود هنا مديرية العمل)". كما جاءت المادة 136 من قانون العمل بالعقوبات التي تفرض على الجهات التي تنفذ الاضراب دون القيام بالشروط التي استلزمتها التشريعات حيث نصت على »أ. اذا قام اي عامل باضراب محظور بموجب هذا القانون يعاقب بغرامة لا تقل عن خمسين دينارا عن اليوم الاول وخمسة دنانير عن كل يوم يستمر فيه الاضراب بعد ذلك ويحرم من اجره عن الايام التي يضرب فيها. ب. اذا اقدم صاحب العمل على اغلاق محظور بموجب هذا القانون فيعاقب بغرامة مقدارها خمسمئة دينار عن اليوم الاول وخمسون دينار عن كل يوم يستمر فيه الاغلاق بعد ذلك ويلزم بدفع اجور العمال عن الايام التي يستمر الاغلاق فيها«. وبعد, ان ما نراه في شوارعنا من بعض التظاهرات والاعتصامات التي تعتبر في كثير منها ابتزازا غير مشروع وفقا للقوانين الوطنية والمعايير الدولية لحقوق الانسان اذ ان فهمنا للحق في الاضراب وبتطبيق المعايير الصادرة عن منظمة العمل الدولية يوفر لنا جميعا الضمانة لكفالة الحق في التنظيم والتجمع كما انه المرادف الحقيقي لتطبيق معايير العمل الدولية وتحسين اوضاع مشاركة العمال والدفاع عن مصالحهم وتحسين اجورهم وسوف يؤدي ذلك الى التوازن الاجتماعي بين الشرائح الاجتماعية المختلفة ويحق استقرار الاسواق والنهوض بمجتمعنا.

 

 

الأستاذ المحامي عيسى المرازيق