قراءة في قرار المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان حول عدم تسليم ابو قتادة للسلطات الأردنية

هذا المقال لا يعبر عن رأي المركز ولكن يعبر عن رأي الكاتب


أصدرت المحكمة الاوروبية لحقوق الانسان قرارها بحق الاردني عمر محمود محمد عثمان المعروف باسم ابو قتادة خلاصته منع السلطات البريطانية من ترحيله إلى الاردن, اذ سبق للحكومة الاردنية ان طلبت تسليمه من السلطات البريطانية لتنفيذ الاحكام الغيابية الصادرة بحقه من محكمة امن الدولة التي تقضي بسجنه مدى الحياة بعد ادانته بالاشتراك في تنظيم ارهابي وتنفيذ تفجيرات في الاردن.

وفي عام 1993 غادر ابو قتادة الاردن الى المملكة المتحدة وطلب اللجوء السياسي بحجة تعرضه للتعذيب وأصدرت محكمة بريطانية عام 2009 قراراً يقضي بتسليم ابو قتادة إلى الاردن, وتم الغاء هذا القرار من محكمة الاستئناف البريطانية بداعي ان تسليمه سيعرض حياته للخطر وعدم مراعاة حقوقه اثناء المحاكمة, وتلا ذلك قرار مجلس اللوردات البريطاني بتسليم المذكور للسلطات الاردنية, وتم الطعن بهذا القرار امام المحكمة الاوربية لحقوق الانسان التي اصدرت قراراها المذكور بعدم جواز تسليمه إلى الأردن.

ومن الجدير بالذكر قبل الحديث عن تفاصيل ومضامين قرار المحكمة الاوربية لحقوق الانسان الاشارة الى ان المحكمة الاوروبية هي احد آليات الانصاف الاقليمية في المنطقة الاوروبية, التي تستند في عملها الى الاتفاقية الاوروبية لحقوق الانسان والبروتوكولات الملحقة بالاتفاقية, وعددها 14 بروتوكولا, وتم تأسيس هيئة قضائية تشرف وتراقب التجاوزات والانتهاكات على حقوق الانسان من خلال المحكمة الاوروبية لحقوق الانسان وتم تخصيص الجزء الثاني من الاتفاقية وتحديداً المواد من 19 الى 51 لبيان كيفية تأسيس المحكمة وصلاحياتها واختصاصاتها التي باشرت اعمالها في عام 1959 , وجاء اعتماد البروتوكول رقم 11 ودخوله حيز التنفيذ في 1/11/1998 ليلغي اللجنة الاوروبية لحقوق الانسان ويكلف المحكمة الاوروبية لحقوق الانسان وحدها مهمة مراقبة وحماية حقوق الانسان.

وتستند في عملها الى المواثيق الاقليمية في المنطقة الاوروبية والمواثيق الدولية لحقوق الانسان ومنها بشكل رئيس اتفاقية الامم المتحدة لمناهضة التعذيب وغيره من ضرورب المعاملة او العقوبة القاسية او اللا انسانية او المهينة التي اعتمدت وعرضت للتوقيع والتصديق والانضمام بموجب قرار الجمعية العامة للامم المتحدة رقم 39/46 بتاريخ 26 حزيران 1987 والمصادق عليها من قبل الحكومة الاردنية بتاريخ 15/6/2006 في عدد الجريدة الرسمية رقم 4764 التي تعتبر حسب اجتهادات محكمة التمييز جزءاً من المنظومة التشريعية الاردنية.

وبناءً عليه وبالرجوع الى قرار المحكمة الاوروبية لحقوق الانسان والذي استند في عدم تسليم ابو قتادة للسلطات الاردنية الى المبادئ التالية:

أولاً: نصت المادة الثالثة من اتفاقية مناهضة التعذيب على المبدأ العام القاضي بعدم الرد او الطرد ولا يجوز لاية دولة طرف ان تطرد اي شخص او ان تعيده (أن ترده) او ان تسلمه الى دولة اخرى, اذا توافرت لديها اسباب حقيقية تدعو الى الاعتقاد بأنه سيكون في خطر التعرض للتعذيب. وتراعى السلطات المختصة لتحديد ما اذا كانت هذه الاسباب متوفرة, جميع الاعتبارات ذات الصلة, بما في ذلك, في حالة الانطباق, وجود نمط ثابت من الانتهاكات الفادحة او الصارخة او الجماعية لحقوق الانسان في الدولة المعنية, فالتسليم المنصوص عليه في هذه المادة مفاده مغادرة او ترك جبري من دولة الى اخرى بناء على طلب من هذه الدولة, وذلك بغرض محاكمة او تنفيذ حكم صدر بحق المطلوب تسليمه لاقترافه جرائم, اما الطرد فيكون من قبل الدولة حفاظاً على نظامها العام او امنها الوطني فتقوم بارسال الشخص الى خارج حدودها الاقليمية وواضح ان مبدأ الحماية الوارد في المادة السابقة ثابت لاي شخص دون تحديد صفته او جنسيته او غيرها وبناءً عليه يستفيد من الحماية الواردة في تلك المادة جميع الاشخاص بغض النظر عن الخطورة الجرمية للشخص المطلوب تسليمه حتى ولو كان متهما بارتكاب جرائم ارهاب.

ثانياً: والسؤال الذي يمكن ان يثار هنا عن الدول المشمولة بالحظر الوارد في المادة السابقة هل يشمل الدول المصادقة على الاتفاقية وغير المصادقة بالنسبة للاردن فإنها مصادقة على هذه الاتفاقية ومنشورة في الجردية الرسمية كما سبق الاشارة اليه, اما بريطانيا فهي مصادقة ايضاً على اتفاقية الامم المتحدة لمناهضة التعذيب في عام 1988, وعلى جميع الاحوال فإن لجنة مناهضة التعذيب المنبثقة عن الاتفاقية في تعليقها العام رقم 1 لعام 1988 اشارت الى مصطلح دولة اخرى الوارد في المادة الثالثة بأنه يشمل كل الدول بغض النظر عن تصديقها على الاتفاقية من عدمه فينصرف ذلك الى الدولة التي سيتم تسليم او طرد او اعادة المطلوب تسليمه اليها.

ثالثاً: وأشارت المحكمة الاوربية الى ( The applicants deportation to Jordan would not be in violation of Article 3 of the Convention) مفاد ذلك ان مخاوف اللجنة ليس تعرض ابي قتادة للتعذيب وفقاً لمنطوق القرار, وهذا في حقيقة الامر يشكل نقلة نوعية بالنسبة لمراكز الاصلاح والتأهيل في الاردن, اذ استبعدت اللجنة ان يكون منع تسليمه تعرضه للتعذيب وفق المادة الثالثة بمعنى انه لا يخشى عليه من تعرضه للتعذيب.

رابعاً: وأشارت المحكمة ايضاً الى انه لم يكن هناك انتهاك للمادة الثالثة من الاتفاقية بالتزامن مع المادة 13 من الاتفاقية There has been no violation of Article 3 taken) in conjunction with Article 13 of the Convention) التي تقضي بأن تضمن كل دولة طرف لاي فرد يدعي بأنه قد تعرض للتعذيب في اي اقليم يخضع لولايتها القضائية, الحق في ان يرفع شكوى الى سلطاتها المختصة وفى ان تنظر هذه السلطات في حالته على وجه السرعة وبنزاهة, وينبغي اتخاذ الخطوات اللازمة لضمان حماية مقدم الشكوى والشهود من انواع المعاملة السيئة او التخويف نتيجة لشكواه او لاية ادلة تقدم وعليه حيث ثبت للمحكمة من خلال الاحكام الصادرة عن محكمة امن الدولة التي ادعى فيها المتهمون بتعرضهم للتعذيب لم يتم التحقيق في هذه الادعاءات من جانب المحكمة وأخذها على محمل الجد.

خامساً: تمت الاشارة من قبل المحكمة الى ان الترحيل الى الاردن لن ينتهك المادة الخامسة من الاتفاقية here has been no violation of Article 3 taken in conjunction with Article 13 of the Convention وتشير هذه المادة الى الصلاحية الاقليمية والشخصية والعالمية في محاكمة مرتكبي جرائم التعذيب, مما يعكس حرص وإدراك المنظومة الاممية لحقوق الانسان على ملاحقة مرتكبي جرائم التعذيب وضمان عدم الافلات من العقاب وأشارت المحكمة الى ذلك. الاساس القانوني الذي استندت اليه المحكمة الاوروبية لحقوق الانسان في قرارها وبالرجوع الى خلاصة قرار المحكمة نجدها اشارت الى ما يلي:

FOR hSE REASONS, h COURT hANIMOUSLY

  1. Declares the application admissible;
  2. holds that the applicants deportation to Jordan would not be in violation of Article 3 of the Convention;
  3. holds that there has been no violation of Article 3 taken in conjunction with Article 13 of the Convention;
  4. holds that there has been no violation of Article 3 taken in conjunction with Article 13 of the Convention;
  5. holds that the applicants deportation to Jordan would be in violation of Article 6 of the Convention on account of the real risk of the admission of evidence at the applicants retrial of obtained by torture of third persons.


وعليه فإن الترحيل الى الاردن سوف ينتهك احكام المادة السادسة من الاتفاقية التي تنص على قيام اية دول طرف, لدى اقتناعها, بعد دراسة المعلومات المتوفرة لها, بأن الظروف تبرر احتجاز شخص موجود في اراضيها يدعى انه اقترف جرماً مشاراً اليه في المادة 4 باحتجازه او تتخذ اية اجراءات قانونية اخرى لضمان وجوده فيها, ويكون الاحتجاز والاجراءات القانونية الاخرى مطابقة لما ينص عليه قانون تلك الدولة, على الا يستمر احتجاز الشخص الا للمدة اللازمة للتمكين من اقامة اية دعوى جنائية او من اتخاذ اية اجراءات لتسليمه, تقوم هذه الدولة فوراً بإجراء التحقيق الاولى في ما يتعلق بالوقائع وتتم مساعدة اي شخص محتجز وفقاً للفقرة 1 من هذه المادة على الاتصال فوراً بأقرب ممثل مختص للدولة التي هو من مواطنيها, او بممثل الدولة التي يقيم فيها عادة ان كان بلا جنسية. ولدى قيام دولة ما, عملا بهذه المادة, بإحتجاز شخص ما, تخطر على الفور الدول المشار اليها في الفقرة 1 من المادة ,5 باحتجاز هذا الشخص وبالظروف التي تبرر اعتقاله. وعلى الدولة التي تجرى التحقيق الاولي الذي تتوخاه الفقرة 2 من هذه المادة ان ترفع فوراً ما توصلت اليه من النتائج الى الدول المذكورة مع الافصاح عما اذا كان في نيتها ممارسة ولايتها القضائية.

وحسب هذه المادة, فإنها تلقي العديد من الالتزامات على الدول الاطراف من حيث ان الدولة الطرف الذي يوجد الشخص المشتبه بارتكابه عملا من اعمال التعذيب بضمان وروده فيها, وكذلك الالتزام بإجراء تحقيق اولي بشأن الوقائع المقدمة من الضحية بشأن وقوع التعذيب , وكذلك الالتزام بإخطار الدول الاخرى بالتدابير المتخذة او التي تم اتخاذها والغاية الاساسية وراء الاخطار وهي تمكين الدول ان تقرر فيما اذا كانت ستطلب تسليم المشتبه به اليها من جانب الدولة المحتجزة لتقديم ضمانات الحماية الدبلوماسية او القنصلية, اما فيما يخص حقوق الشخص المطلوب تسليمه فانه تجب مراعاة كافة ضمانات المحاكمة العادلة وحيث ان المحكمة توصلت الى ان محكمة امن الدولة بالاردن وهي محكمة خاصة بسبب وجود خطر حقيقي من قبول محكمة امن الدولة لبينات يقدمها الضحية يدعي فيها تعرضه للتعذيب, اذ سبق للمحكمة ان قبلت مثل هذه البينات من اشخاص سبق محاكمتهم امامهما وادعوا تعرضهم للتعذيب وأشارت الى ذلك صراحة he applicants deportation to Jordan would be in violation of Article 6 of the Convention on account of the real risk of the admission of evidence at the applicants retrial of obtained by torture of third persons.

وعليه وعلى ضوء ما سبق, فإن ضمانات المحاكمة العادلة في المحاكم الخاصة ما تزال مبعثا للخوف من تطبيقها واتباعها من قبل المحاكم الدولية والاقليمية, وهذا ما اشارت له اليات الامم المتحدة لحقوق الانسان وكذلك لجنة مناهضة التعذيب للاردن في توصياتها الختامية في عام 2010 بأن لا يتم الاعتماد على اية اقوال يتم الادعاء من قبل المتهم بأنها اخذت تحت وطأة التعذيب, وجاء بالتعليق رقم 10 ينبغي للدولة الطرف ان تكفل التحقيق في جميع ادعاءات التعذيب وإساءة المعاملة على نحو سريع وفعال ونزيه ومقاضاة مرتكبي تلك الافعال وإدانتهم حسب درجة خطورة الافعال المرتكبة, واتخاذ خطوات فورية لضمان الامتثال الكامل لمحكمة امن الدولة والمحاكم الخاصة الاخرى في عملها لاحكام الاتفاقية والمعايير الدولية للمحاكم لا سيما منح الاشخاص المتهمين حق الطعن في قرارات المحكمة والبديل الاخر هو ان تلغي الدولة الطرف هذه المحاكم الخاصة وينبغي للدولة الطرف ان تتخذ الخطوات اللازمة لضمان عدم قبول المحاكم في جميع الحالات للاعترافات المنتزعة تحت وطأة التعذيب تمشياً مع احكام المادة 15 من الاتفاقية وتطلب اللجنة الى الدولة الطرف ان تحظر تماماً قبول الادلة المنتزعة تحت وطأة التعذيب في اي اجراء من اجراءاتها ومن الجدير بالذكر الاشارة الى تعديل الدستور الاردني لعام 2011 وتحديداً المادة السادسة منه التي تشير الى ان كل من يقبض عليه او يوقف او يحبس او تقيد حريته تجب معاملته بما يحفظ عليه كرامة الانسان ولا يجوز تعذيبه بأي شكل من الاشكال او ايذاؤه بدنيا او معنويا ولا يجوز حجزه في غير الاماكن التي تجيزها القوانين وكل قول يصدر عن اي شخص تحت وطأة اي تعذيب او ايذاء او تهديد لا يعتد به, مما يشير الى ضرورة الاسراع في تعديل التشريعات الخاصة بالمحاكم الخاصة وغيرها وإدماج كافة الالتزامات الواجب توافرها لضمان تفعيل ضمانات المحاكمة العادلة امام المحاكم النظامية والخاصة في كافة مراحل التقاضي, وعدم كفاية الاجراءات التشريعية الواردة في قانون العقوبات وتحديداً المادة 208 منه.

 

المحامية نسرين زريقات                المحامي صدام أبو عزام