الإعاقة وحقوق الإنسان

هذا المقال لا يعبر عن رأي المركز ولكن يعبر عن رأي الكاتب


الاعاقة وحقوق الانسان تشير التقديرات الرقمية الى ان هناك أكثر من 600 مليون شخص في العالم هم من ذوي الاعاقة بمختلف انواعها، وهو ما يعني ان ما يقرب من نحو 10 % من سكان العالم ينتمون الى هذه الشريحة، ولكن الملاحظ ان أكثر من ثلثي هؤلاء المعاقين يعيشون في دول العالم الثالث او ما تسمى "الدول النامية" التي تقل فيها معدلات النمو الاقتصادي والدخل الفردي ومؤشرات التنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، كما ان 2% من هذه الشريحة ممن يعيشون في دول العالم الثالث هم من الأطفال المعوقين.

وقد كشفت تقارير الامم المتحدة التي تناولت هذه الشريحة عن وجود علاقة ارتباط طردية بين الإعاقة وارتفاع معدلات الفقر والتهميش الاجتماعي في اغلب دول العالم المتقدمة منها والنامية على حد سواء .

لكن خلال العقدين الماضيين حدث تحول كبير في منهج التعامل مع قضية الاعاقة على المستوى الدولي، ويعود الفضل في ذلك الى تغيير منظور التعامل مع المعاقين من منهج الشفقة والمحبة والرحمة الى منهج حقوق الإنسان الذي يضمن المساواة في التمتع الفعلي بجميع الحقوق الواردة في الاتفاقيات الدولية لحقوق الانسان لجميع البشر دون اي تمييز ومهما كان شكله او مبرره، وبما يضمن تحقيق الكرامة الانسانية ومشاركة الإنسان في صناعة كل القرارات التي تؤثر على سير حياته.

نقطة البداية في تحول الاهتمام الدولي بقضايا الاعاقة كان مع اقرار الأمم المتحدة للقواعد الموحدة بشأن تحقيق تكافؤ الفرص للأشخاص ذوي الإعاقة والتي اعتمدتها الجمعية العامة في القرار 48/96 المؤرخ 20 كانون الثاني 1993، وما تزال هذه القواعد تلعب دورا هاما في عملية زيادة الوعي بحقوق الإنسان للأشخاص المعوقين وتحفيز التغيير الإيجابي نحوهم.

ولما كانت مسؤولية ضمان احترام حقوق الإنسان للمعوقين وحمايتها تقع على عاتق الدول بوصفها الطرف الاساسي في الاتفاقيات الدولية، فقد توصل المجتمع الدولي الى وضع اتفاقية خاصة بالمعاقين هي الاتفاقية الدولية لشؤون الاشخاص ذوي الاعاقة لعام 2006، والتي مثلت خارطة الطريق الملزمة في التعامل مع المعاقين وقضاياهم، هذا مع العلم بان معاهدات حقوق الإنسان الاخرى التي اقرتها الامم المتحدة وخصوصا العهدين الدوليين الخاصين بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والحقوق المدنية والسياسية، والاتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة ، واتفاقية حقوق الطفل ، واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة والاتفاقية الدولية بشأن القضاء على جميع أشكال التمييز العنصري وفرت منظومة قانونية للنهوض بحقوق الاشخاص ذوي الاعاقة رغم انها لا تستخدم بكثرة في هذا المجال من قبل الدول والمؤسسات المعنية بحقوق الانسان والاعاقة سواء اكانت وطنية او مجتمع مدني. وهو ما يتطلب منها جميعا استخدام هذه الاليات التعاقدية للأمم المتحدة في تعزيز وتسريع حماية حقوق هذه الشريحة .

الاردن لم يكن ببعيد عن حركة المجتمع الدولي في مجال تعزيز وحماية حقوق ذوي الاعاقة ، فقد وقع وصادق على الاتفاقية الدولية لحقوق الاشخاص ذوي الاعاقة ونشرها في الجريدة الرسمية بحيث اصبحت جزء من منظومة التشريع الوطني بالإضافة الى مصادقته على الاتفاقيات الدولية السابق ذكرها والمنشورة في الجريدة الرسمية ايضا، كما تبنى قانون خاص بحماية الاشخاص ذوي الاعاقة رقم 31 لسنة 20007 وانشأ مؤسسة وطنية لحماية حقوق الاشخاص المعوقين ممثلة في المجلس الاعلى لشؤون الاشخاص المعوقين، هذا بالإضافة الى دور وزارة التنمية الاجتماعية في الأشراف على المؤسسات الخاصة بالإعاقة ومتابعة اعمالها وتقييمها، الامر الذي يظهر حرص المملكة على تشريع المساواة وعدم التمييز في سياق قضايا الإعاقة من جانب أي شخص أو منظمة أو مؤسسة حكومية او خاصة، عدا عن كونها اصبحت ملزمة كدولة باتخاذ جميع التدابير التشريعية والإدارية لإنفاذ الحقوق المعترف بها في هذه الاتفاقيات ومراعاة حماية وتعزيز حقوق الإنسان للأشخاص ذوي الإعاقة في جميع السياسات والبرامج.

ومع ذلك ، ما يزال الاردن بحاجة الى الية دمجيه للمعاقين في المجتمع في مختلف مناحي الحياة العامة تأخذ حقوق واحتياجات هؤلاء الأشخاص خاصة النساء والأطفال منهم في إطار النسق التنموي الشمولي، وذلك دون إغفال الخصوصية التي تتفرد بها وضعية الإعاقة. كما انه لا يزال بحاجة الى مواءمة القوانين ومضامين الاتفاقية الدولية لحقوق الاشخاص لضمان مبدا المساواة للأشخاص المعاقين ومبدا تكافؤ الفرص في كل الحقوق ومنع التمييز على اساس الاعاقة وتوفير الحماية لهم وتعزيز الوعي بقدراتهم في الواقع العملي.

وربما الاشارة الموجزة الى اهم امثلة تحديات الاندماج في الواقع العملي تكشف حجم العمل المطلوب بذل الجهد عليه، ففي مجال التعليم لا يزال هناك ضعف عميق في ادراك حقوق الأشخاص المعوقين لدى اعضاء الهيئة التدريسية وزملائهم الطلبة بشكل عام، هذا عدا عن ضعف برامج التدريب على تكييف محتوى المنهج واساليب التدريس و واجراء الاختبارات الخاصة بالطلبة المعوقين. وفي مجال العمل لا يزال تدني مستوى الأجور المدفوعة للأشخاص المعوقين مقارنة بغيرهم، وعدم تهيئة مكان العمل وبيئته المادية وعدم توفر الحدود الدنيا من مستوى شروط السلامة العامة للأشخاص المعوقين، بالإضافة الى تخوف اصحاب العمل من تشغيلهم عوائق رئيسية لم ننجح في تخطيها. وأما تحديات الرعاية الصحية فربما يكون من اهمها عدم وجود معايير لاعتماد التشخيص الطبي للإعاقة، وندرة وجود مراكز العلاج الطبيعي لتأهيل الأشخاص المعوقين خارج العاصمة عمان، وضعف المتابعة الحثيثة من قبل المراكز الموجودة بسبب قلة عدد المعالجين الطبيعيين وغيرها.

خلاصة القول، ان منهجية حقوق الانسان توفر اداة تشريعية هامة لحماية حقوق الاشخاص ذوي الاعاقة، كما تسهم في تمكين افراد هذه الشريحة في المجتمع، وهو ما يستدعي من المعاقين افرادا وجماعات الدخول الى هذا المجال كناشطين ومدافعين عن حقوق الانسان بعامة وحقوق الاشخاص المعاقين بخاصة.

 

 

* تم نشر هذا المقال بمجلة البواسل،الهيئة الهاشمية للمصابين العسكريين، العدد رقم 28 تموز 2011، ص 13.

 

 

 

الأستاذ محمد يعقوب
رئيس وحدة الأبحاث والتوثيق
المركز الوطني لحقوق الإنسان