قانون جرائم أنظمة المعلومات والحق في الحياة الخاصة

هذا المقال لا يعبر عن رأي المركز ولكن يعبر عن رأي الكاتب


"ان الحاسوب بشراهته التي لا تشبع في جمعه للمعلومات وما هو معروف عنه من دقة وعدم نسيان اي شيء يوضع فيه، قد تنقلب معه الحياة رأسا على عقب ،فيخضع الأفراد لنظام رقابي مشدد يتحول معه المجتمع إلى عالم شفاف ترقد فيه مكشوفة بيوت الناس ومعاملاتهم وحالتهم العقلية والجسمية لأي مشاهد". هذا ما صرح به احد المختصين حول المخاطر المتولدة عن استخدام الانظمة المعلوماتية على الحياة الخاصة للافراد ،فالحق في الخصوصية يعتبر من أهم الحقوق اللصيقة بالشخصية الإنسانية وقد نص عليه العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية وذلك لما له من ارتباط وثيق بحرية الفرد، و الحاجة كانت ملحة لضمانات قانونية تحمي الحق في الحياة الخاصة للأفراد من المعلوماتية بأدواتها المتمثلة في جهاز الحاسوب والشبكة العالمية للمعلومات وما لهذه الأدوات من قدرة فائقة على جمع اكبر قدر من المعلومات والبيانات عن الأفراد واسترجاعها وتصنيفها وتحليلها ومعالجتها ومن ثم مبادلتها، إلا انه وبعد طول انتظار جاء قانون جرائم أنظمة المعلومات غامضا في بعض مواده خاصة تلك المتعلقة بحماية الخصوصية، واختزل في نصوصه صورا لجرائم عدة مما افقده الوضوح والتحديد ودقة الصياغة، واغفل صورا لجرائم الكترونية اخرى تتعلق بحماية الحق في الحياة الخاصة مما جعله قانونا يتسم بالقصور التشريعي.

يعتقد البعض ان افشاء المعلومات والتنصت عليها والاعتداء على حرمة الاتصالات والمراسلات وسريتها يعد اهم صور الاعتداء على الحياة الخاصة وهذه الصور هي التي ركز عليها المشرع الاردني في قانون جرائم انظمة المعلومات، الا ان الاعتداء على الحق في الحياة الخاصة من خلال الانظمة المعلوماتية مفهوم أوسع واشمل ويأخذ ابعادا واشكالا مستحدثة ابرزها جمع البيانات عن الافراد وتخزينها على نحو غير مشروع ويستمد هذا الجمع او التخزين صفته غير المشروعة اما من الاساليب غير المسموح بها المستخدمة للحصول على هذه البيانات او المعلومات او من طبيعة مضمونها كالمعلومات المتعلقة بالمعتقدات الدينية والسياسية والانتماءات الحزبية والاصل العرقي للافراد والتي يجب ان تكون بمنأى عن الجمع والتخزين لاتصالها بالحياة الخاصة للافراد، وهو الامر الذي قننه الدستور البرتغالي حيث نص على انه"لا يجوز استخدام الحاسبات الالكترونية في معالجة البيانات المتعلقة بالاتجاهات السياسية او المعتقدات الدينية او الحياة الخاصة عدا البيانات التي تتعلق بالتعداد السكاني والبيانات غير الشخصية".

صورة اخرى من صور الاعتداء تتمثل في اساءة استعمال البيانات والمعلومات المتعلقة بالافراد؛ فالمعلومات التي يتم تجميعها وتخزينها لا بد وان يكون لها هدف واضح ومحدد سلفا ولا بد من التزام الجهة القائمة على النظام المعلوماتي بالهدف الذي من اجله قامت بتجميع ومعالجة المعلومات وهو الامر الذي نشاهد يوميا خروقات له من خلال تجاوز شركات الاتصالات للهدف الذي تم من اجله تجميع المعلومات ومعالجتها عن العملاء حيث يعاني الكثير من المواطنين من رسائل الدعاية القصيرة التي تصل الى الهواتف المتنقلة دون الحصول على اذن خطي مسبق من العميل يسمح فيه باستقبال هذه الرسائل ويظهر ذلك ايضا من خلال رسائل البريد الالكتروني الدعائية التي تصل الى الافراد دون علم منهم كيف ومتى تم الحصول على المعلومات المتعلقة بعنوان بريدهم الالكتروني. علاوة على ذلك فالهدف من جمع المعلومات عن الافراد يجب ان يكون مرتبطا بمهمة ووظيفة الجهة القائمة على التخزين ، وهذا الامر تنبهت له المحكمة الدستورية في المانيا حيث جاء في احد قراراتها " انه لا حرية راي او حرية اجتماع ولا حرية مؤسسات يمكن ان تمارس كاملة ما دام الفرد غير متيقن في ظل اي ظروف ولاجل اي هدف جمعت عنه المعلومات الفردية وعولجت اليا في الحاسوب". كما ان السماح بجمع البيانات او المعلومات عن الاشخاص مع عدم معرفة اوجه استخدامها في المستقبل يمثل احد الاخطار التي تهدد الحياة الخاصة للافراد ويظهر هذا الخطر جليا من خلال بنوك المعلومات التي تنشئها شركات التامين والاموال والبنوك وغيرها من المؤسسات التي تقوم بجمع معلومات تتعلق بحياة عملائها الشخصية او الصحية او عن حجم معاملاتهم ومنافسيهم وغير ذلك من معلومات قد يتم استغلالها بطريقة غير مشروعة في المستقبل وخاصة من خلال قيام بعض هذه المؤسسات ببيع هذه المعلومات لشركات او مؤسسات او جهات اخرى للتربح المادي. ويعتبر تخزين معلومات خاطئة غير مطابقة للواقع وغير صحيحة او دقيقة صورة اخرى من صور الاعتداء على الحياة الخاصة فهذه المعلومات قد تترك اثارا سيئة على سيرة الانسان وصورته ويلحق به ضررا واخطارا كبيرة خاصة على مستقبله الوظيفي والاجتماعي.

ان الحق في الحياة الخاصة للافراد يتطلب الى حانب الحماية القانونية ان يتمتع الفرد في التشريع الاردني بمجموعة من الحقوق المرتبطة ارتباطا وثيقا بجوهر الحق في الخصوصية ياتي في مقدمتها حقه بالاطلاع على المعلومات الخاصة به والوصول اليها وان يكون على علم بجميع البيانات المخزنة عنه، وحقه بالغاء المعلومات الخاطئة عنه او تصحيحها وتعديلها اذا دعت الحاجة الى ذلك، ومن اهم الحقوق التي يتوجب صيانتها وحمايتها والتي يعاني الفرد في مجتمعاتنا بسبب غيابه الكثير حماية حق الفرد بالنسيان فالمعلومات لا بد وان تتلف بعد مدة محددة وان لا تبقى شبحا يطارد الفرد اينما ذهب ، وهناك تجارب لدول وصلت الى مراحل متقدمة في هذا المجال فالدستور البرتغالي ينص على ان"لكل المواطنين الحق في معرفة المعلومات التي تتعلق بهم وما تتضمنه بنوك المعلومات من بيانات خاصة بهم والاستخدامات المعدة لها ويكون لهم طلب تصحيحها او تصويبها او الاضافة اليها كل فترة عندما يطرأ تغيير ". وهذا ايضا ما اكدت عليه اللجنة المعنية بالحقوق المدنية والسياسية في معرض تعليقها على المادة 17 من العهد والمتعلقة بالحق في حرمة الحياة الخاصة للفرد حيث اشارت الى انه "يجب أن ينظم القانون عمليات جمع وحفظ المعلومات الشخصية باستخدام الحاسوب وغيرها من الوسائل، سواء أكانت تجريها السلطات العامة أم الأفراد العاديون أو الهيئات الخاصة. ويتعين أن تتخذ الدول تدابير فعالة لكفالة عدم وقوع المعلومات المتعلقة بالحياة الخاصة للشخص في أيدي الأشخاص الذين لا يجيز لهم القانون الحصول عليها ، وعدم استخدامها على الإطلاق في أغراض تتنافى مع العهد. ولكي يتسنى حماية الحياة الخاصة للفرد على أكفأ وجه ينبغي أن يكون من حق كل فرد أن يتحقق بسهولة من ماهية البيانات المخزنة، والغرض من الاحتفاظ بها، كما ينبغي أن يكون بمقدور كل فرد أن يتحقق من هوية السلطات العامة أو الأفراد العاديين أو الهيئات الخاصة التي تتحكم في هذه البيانات، وإذا كانت هناك بيانات شخصية غير صحيحة أو بيانات جمعت أو جهزت بطريقة تتعارض مع أحكام القانون، ينبغي أن يكون من حق كل فرد أن يطلب تصحيحها أو حذفها".

لقد آن الاوان لنرتقي بتشريعاتنا الوطنية بما يكفل حماية مقتنيات الحياة الخاصة للفرد وبما يتوافق مع الالتزامات المفروضة على الاردن بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي نشر في الجريدة الرسمية عام 2006 واصبح جزءا من النظام القانوني الوطني ، وهذه دعوة ايضا للمحامين للاستناد الى احكام العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية ي بتقديم طلب أو دفع أمام القضاء في القضايا التي تتعلق بالحق في حرمة الحياة الخاصة للافراد.

 

المحامية نهلا المومني
وحدة التوعية والتمكين
المركز الوطني لحقوق الإنسان