بيان بلا رقم صادر عن ثورتي الياسمين والتحرير

هذا المقال لا يعبر عن رأي المركز ولكن يعبر عن رأي الكاتب

نعم بيان بلا رقم، فقد اعتادت بياناتنا العربية أرقاما متسلسلة لا حدود لها؛ لأنها ارتبطت بالبيانات العسكرية الانقلابية والتي يجيء بعضها أو أكثرها لأغراض وطنية، لكنها ترتبط بزمرة عسكرية أو بحزب حاكم، وتتحول في مراحل لاحقة إلى دكتاتوريات أوليجارشية وحزبية ضيقة تستغل قوت الشعب تحت قيادة السيد الرئيس الملهم وتصبح بياناتها المرقمة هي التي تمثل الشرعية!!!!.

شكلت ثورتا تونس (الياسمين) ومصر (التحرير) اللتان تستحقان ان تسميا بثورتين، أو يمكن ثورة واحدة بدولتين، شكلت تجربة فريدة؛ لأنها لا تحتاج إلى بيان عسكري بل بيان شعبي مدني نستقي قراراته مما كتب على لوحات ويافطات الشعوب في المظاهرات الاحتجاجية السلمية، نستقيها من صرخات الأم الثكلى على أولادها المفقودين أو المعدومين على أيدي النظام، ونستقيها من المحاكمات الشعبية في ميدان التحرير للدكتاتوريات، ونستقيها من مطالب صائد السمك الذي يريد تحسين ظروف معيشته ومن مواطني بيوت الصفيح وغيرهم. أقول: شكلتا درسا مهما في العالم العربي لا بد من التوقف عندهما واستخلاص الدروس المفيدة منهما.

أولا: التنبؤ بحدوث الثورة؛
إن هذه الثورة قد فاجأت الجميع، وذلك بسبب حالة الإحباط الشديد الذي اعترانا في العالم العربي بعد الشعور بحالة الخنوع أمام الأنظمة المتغطرسة والممالئة بسياساتها للغرب، ولو كنا سألنا احد قبل يوم أو ربما ساعة من حرق البوعزيزي نفسه عن مدى احتمالية أن تحدث ثورات وتغيرات في العالم العربي لكان التوقع يقارب الصفر. وبرأي أن السبب يكمن في ضعف قدرتنا في العالم العربي على التنبؤ وانشغال أذهاننا في تحليل الماضي أكثر من تنبؤ المستقبل من جهة ومن التركيز على الفعل وعلى رد الفعل أكثر من تركيزنا على الإرهاصات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي كانت تعم العالم العربي وربما في مناطق أخرى في العالم، وهذا يقودنا إلى أهمية التحليل المستقبلي في عالم تتغير فيه الكثير من الأمور بشكل دراماتيكي.

ثانيا: إن إرادة الشعوب فوق أي إرادة وإن طال الزمن أو خنع الشعب ونام برهة من الوقت، وإن خافت الملايين من الطغاة فسيأتي يوم تثور هذه الشعوب ضد جلاديها؛
إن الشعب العربي حي، ولا أخال حالة الإحباط التي اعترت نقاشاتنا في وسائل الإعلام مؤخرا الا تعبيرا عن حالة احتقان ضد هذه الأنظمة، إن إي نظام تسوده سياسة تقوم على الفساد وتضييق للحريات وقوانين الطوارئ وسيادة الحزب الواحد والعشيرة لا يمكن أن تنجح، لا بل إن التاريخ سيشهد عليه بأقبح الصور، فالنظامان بمصر وتونس كانا يحظيان بصورة مبهرجة عن أنهما نظامان مستقران، وفي الواقع كان الشعب من خلفهما يبني يوما بعد يوم شعورا متراكما من البغض له والرغبة في الثورة عليه.

ثالثا: يبدو أن كثيرا من الأنظمة قد ظنت أن علاقتهم مع الغرب وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية ستجعلهم في مأمن، بل تعطيهم شرعية بدلا عن الشرعية الشعبية، بالطبع إلى جانب شرعية أي من أو كل من الجيش أو الحزب الحاكم أو العائلة والعشيرة في ظل دستور وبرلمان مطوع لصالح شخص النظام، وحاولت هذه الأنظمة أن تظهر أمام المجتمع الدولي إنها اقرب إلى الليبرالية من خلال بعض اللمسات الساذجة في خطابها أو دعوات لتحرير شكلي للمرأة أو للعلمانية دون فصل حقيقي للدين عن الدولة، والاعتماد على كاريزما الرئيس وحكومته بالتحدث بالإنجليزية وربما اغلبهم قد تخرجوا في جامعات غربية، اعتقدوا خطأ أن ذلك كله كفيل بتعزيز هذه الشرعية وحماية مصالحهم.

وبغض النظر عن الانتقاد الذي قد نوجهه إلى سياسات الدول الغربية بتلكئها تجاه دعم الثورات في تلك التجارب ومسؤوليتها التاريخية في دعم هذه الأنظمة الفاسدة والمستبدة، إلا أنها في النهاية لم تستطع إلا أن تعترف برضاها أو غصبا عنها بشرعية الثورة والحراك الجماهيري، وباعوا "أصدقاءهم" أولئك الحكام والأنظمة الصديقة، فلم يجد بن علي من يؤويه بأوربا أو أمريكا بل أصبح مطلوبا للإنتربول، وهاهو النظام المصري يواجه سيلا من المطالب والضغوط الآمرة من الدول الغربية بحل نفسه واحترام إرادة الشعب. إن هذا يثبت مرة أخرى إن إرادة الشعب هي فوق إرادة الأنظمة في نهاية الأمر والتي فرضت نفسها على إرادة المجتمع الدولي أيضا.

رابعا: لا بد من إدراك ان تكنولوجيا المعلومات من قنوات فضائية وموبايل وفيس بوك وتوتير وغيرها لعبت دورا من اهم الأدوار في تحريك الجماهير في تونس ومصر والدول العربية، وأن هذه الوسائل يصعب ضبطها أو تقييدها رغم كل محاولات النظامين الفاشلة، إن هذه الوسيلة من أسهل الوسائل وأسرعها في تحريك الفرد إلى حراك جمعي وسياسي ليعبر عن نفسه فكريا وسياسيا، إن الشعب العربي تضامن مع الجماهير عبر المشاركة بهذه القنوات الفضائية والإنترنت، وكشفت لنا تكنولوجيا المعلومات هذه وبشكل جلي السلوك السلمي الذي يعبر عن مطالب الجماهير مقابل الممارسات الفظيعة لهذه الأنظمة، ولربما أصبح لزاما تغيير بيت الشعر ليصبح: شاذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بد ان يستجيب توتير.

خامسا: دور الشباب مقابل الأدلجة والتحزب؛
برزت للعيان جليا ظاهرة بروز دور الشباب في الحركة النضالية الثورية، وهذا ما يرتبط بالنقطة السابقة لدور تكنولوجيا المعلومات، فلم يعد للعمل الحزبي والكاريزما السياسية اللتين تتراجع مكانتهما في العمل السياسي في العالم كله دور في تأليب الجماهير وقيادتها، لقد أتاحت تكنولوجيا المعلومات فضاء أبرح من فضاء الحزب، وبالتالي فإن نوعية الجمهور الذي يحرك المجتمعات لم يعد على الأقل مؤدلجا بل على الغالب أصبح مبرمجا -بكسر الميم- للحياة العامة من الشباب والتكنوقراط والفنانين والمهمشين والبسطاء، وهذا بدوره أضفى على سلوك المتظاهرين سمة العفوية والسلمية لأنهما موجهان دون دافع سياسي ضيق قد يستخدم أي وسائل عنيفة مثلا، وبالتي كانت بالفعل ثورة سلمية تعبر عن طموحات واقعية مثل مكافحة البطالة والعنوسة والفقر والتهميش وحرية الرأي.

إن الأحزاب هنا مدعوة أكثر من أي وقت مضى إلى إعادة النظر بوسائلها في مخاطبة مجتمعاتها والتعبير عن رغباتهم، في ظل تحول التعبئة السياسية الحزبية والتي تقوم على المحاكاة الأيدلوجية من فوق إلى أسفل إلى تحول إلى تعبئة سياسية فردية من البيت والعمل إلى الساحات العامة.

سادسا: العلاقة بين الحقوق الاقتصادية والحقوق الاقتصادية؛
لقد طغى على كثير من الثورات في العالم وعلى مر التاريخ ظاهرة الانحياز إلى أي جانب من جوانب الحياة، فالبعض ركز على التحرر من الاستعمار والبعض على العتق من العبودية والبعض على رغيف الخبز والبعض على حقوقهم الطبقية والبعض ضد التمييز العنصري والطائفي. وتوهج هذا المنحى في الانقسام في الحرب الباردة بين البعد السياسي والبعد الاقتصادي، الا انه يلاحظ في هاتين الثورتين التكامل بين السياسة واٌلاقتصاد، لأنهما ثورتا حقوق، الحق في العمل اقترن بالحق في حرية إبداء الرأي، والحق في عدم التعرض للتعذيب اقترن بالحق في الزواج، والحق في التنمية ومكافحة الفساد اقترن بالحق في نظام محاكمات عادل... وهكذا دواليك، وأظن أنهما بالفعل ثورتان تنظران بعين التكامل إلى كل شيء. وأكدتا على انه لا يمكن فصل الحرية بكل صورها الفردية والتنظيمية عن رغيف الخبز.

سابعا: علاقة الحاكم بمؤسسات الدولة؛
كشفت هاتان الثورتان العلاقة بين الحاكم بمؤسسات الدولة، فالحاكم هنا وبعد مرور سنوات طويلة في الحكم تنهار علاقة تواصله بمؤسسات الدولة رغم أن ظاهر الأمر عكس ذلك، انه أمر يثير الغموض.... وتفسير ذلك انه ومع سيطرة الحاكم فترة طويلة تزيد على 10 سنوات -وطبعا بعالمنا العربي تمتد إلى إضعاف هذا الوقت- تبدأ سيطرته على مقدرات الدولة وتصبح هنالك رزم حاكمة وقوى داخلية تقاسمه الغنيمة من مكتسبات ومقومات الدولة، فيتفشى الفساد والنهب واستغلال المنصب لدافع التكسب، وتكون هذه القوى سعيدة بذلك وتدفع للترويج أن كل شيء بيد الحاكم ولا احد سواه ويتم التخفي وراء ستار بطشه وقوته على الرغم انها لا تقل بطشا عنه ولكن باسمه سواء علم أم لم يعلم وربما رضي أم لم يرض، وتخدع الشعوب أيضا بهذه العلاقة، ولكن سرعان ما تتفسخ هذه العلاقة وتظهر إلى العيان حين يتم خلخلة النظام بالانتفاضات الشعبية.

كان هذا بارزا في مواقف أركان النظام المدني والعسكري ورجال الأعمال في كل من تونس ومصر، وهذا يقودنا إلى الالتفات إلى أركان النظام إلى جانب شخص النظام عند تعاطينا في أي مسألة تحررية أو انتفاضة شعبية، واقصد بذلك إننا نبالغ أحيانا في الاعتقاد أن هذا النظام قوي بما يكفي للسيطرة على الأمور، حيث إن أي حركة احتجاج شعبية حقيقية تكفي لهز النظام وخلخلته من جذوره؛ لأن العلاقة في داخل النظام تقوم على التكسب وضعف الشرعية وتدفق المعلومات غير الصحيحة والمرضية في معظمها من زبانية النظام لرئيسه.

ثامنا: سياسة الخوف من البديل أو الفراغ؛
انتهجت هذه الأنظمة سياسة بالية وهي فزاعة الخوف من الفراغ الدستوري وبعض القوى المتطرفة أو كما تطرح بعض الأنظمة من فزاعة "إسرائيل" وأمريكا، إن النظام قد خلق واقعا أو يريد أن يصور لنا ذلك كي يثبت حكمه، أي إن مبرر وجوده هو الخوف من المجهول وليس بسبب شرعيته أو قدرته على تحقيق التنمية والحقوق. إن هذا رأي يفترض بالنظام وشعبه أنهما أسيران لهذا المجهول في حين أن النظام هو من أوجدهما سواء بفشله في مقاومة التطرف أو بخلقه بأذهان الناس، أو بتمكين علاقته التاريخية بالغرب و"إسرائيل" ويأتي الآن ليدعي الدفاع عن استقلال بلاده عنها، وأقول ان حركة وتطور حياة الشعوب وحقوقها لا يمكن أن تبقى أسيرة هذه الفزاعة وإن الشعب الحي الذي انتفض لحقه سيكون من جملة طموحاته ملء الفراغ بالحقوق ومهاجمة قوى التطرف و"إسرائيل" وأمريكا.

أخيرا، لا بد من الإشارة إلى ان هاتين الثورتين كان لهما اثر كبير على تغيير أو تحريك مشاريع إصلاحات وقائية آمل ان تكون جادة وتأخذ مجراها، كما هو الحال في الأردن، حيث شكلت حكومة جديدة وبدأت مناقشات لبعض القوانين السياسية وأهمها قانون الانتخاب ولقاءات بين الحكومة والأحزاب المهمشة وخفض لأسعار بعض السلع.

كما تجرى حركات احتجاجية واسعة وثورات في كل من ليبيا واليمن والبحرين وسوريا والجزائر وغيرها. إن هذا يقودنا إلى التأكيد على أن هاتين الثورتين تستحقان بحق ان تسميا ثورتين أو ربما ثورة واحدة لتزامنهما وارتباطهما ببعض، ومن هنا فإننا جميعا بحاجة إلى استخلاص العبر منها واستلهام الدروس، وبخاصة الدول العربية التي ما زالت تعيش مرحلة الصدمة والذهول مما حدث بضرورة الإسراع الجدي بالإصلاح، وذلك باحترام حقوق الإنسان وإرادة شعوبها وبتداول سلمي للسلطة وترسيخ الديمقراطية.

إن الأنظمة العربية الحالية مدعوة بكل جدية إلى الاستناد إلى بيان بلا عنوان، سطرته ثورة الياسمين والتحرير بكل صراحة؛ واعتماده كنهج إصلاحي بعيدا عن لغة التسويف والمماطلة وأنصاف الحلول، وإلا فإن العاقبة لمن أبى.

الأستاذ رياض الصبح
رئيس وحدة التوعية والتمكين
المركز الوطني لحقوق الإنسان