إلى متى يستمر العمل بقانون ينظم الانتهاك?

هذا المقال لا يعبر عن رأي المركز ولكن يعبر عن رأي الكاتب


عرف التاريخ أمثلة كثيرة لقوانين تنظم الانتهاك وتضع له أطرا قانونية. ويعتبر قانون التنفيذ الأردني رقم(36) لسنة 2002 وتعديلاته نموذجا واضحا لقانون ينتهك احد الحقوق الإنسانية المكفولة في الاتفاقيات الدولية وهو حق الإنسان في أن لا يسجن بسبب عدم قدرته على الوفاء بالتزام مدني.

كما ان هذا القانون يخالف مبادئ وروح العدالة ويحيد عن المنطق السليم للتشريع وغاياته في تحقيق المصلحة العليا للمجتمع. ومن خلال نظرة متأنية لنصوص هذا القانون نجد أن المادة (22) من قانون التنفيذ تنص على انه"يجوز للدائن ان يطلب حبس مدينه إذا لم يسدد الدين او يعرض تسوية تتناسب ومقدرته المالية خلال مدة الإخطار...".

في حين ينص العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية في المادة (11) منه على انه"لا يجوز سجن أي إنسان لمجرد عجزه عن الوفاء بالتزام مدني", بل انه ذهب ابعد من ذلك بكثير عندما اعتبر هذا الحق من الحقوق التي لا يمكن للدولة ان تتحلل من بعض التزامها بها حتى في حالة اعلان الطوارئ.
والواقع العملي يشير ان هناك جملة من الاعتبارات التي توجب على المشرع الأردني أن يعمل على تعديل قانون التنفيذ بما يتواءم والالتزامات المفروضة عليه بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. وتأتي في مقدمة هذه الاعتبارات, اعتبارات قانونية فالأصل ان الذمة المالية هي التي تضمن الدين وليس الجسد.

فحسب القواعد القانونية المستقرة فان علاقة الدائنية علاقة بين ذمتين ماليتين وفكرة الإكراه البدني حتى باعتباره وسيلة للضغط على المدين للوفاء تخالف المبادئ المدنية الحديثة فالمدين يلتزم في ماله لا في شخصه وجزاء الالتزام التعويض لا العقوبة فحبس المدين يعتبر رجوعا بفكرة الالتزام الى عهدها الأول حيث كان المدين يلتزم في شخصه وحيث كان القانون الجنائي يختلط بالقانون المدني فيتلاقى معنى العقوبة مع معنى التعويض في الجزاء الواحد, وهذا ما أخذت به الشريعة الإسلامية منذ ما يزيد على أربعة عشر قرنا عندما لم تجز حبس المدين المعسر الذي لا مال له لأداء الدين وإنما ينظر إلى حين يسره لقوله تعالى "وان كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة". كما ان الاكراه البدني تم الغاؤه في التشريعات الحديثة كالتشريع الفرنسي منذ عام 1867.

اما الاعتبارات الاقتصادية فتتمثل في أن حبس المدين يعطل نشاطه الاقتصادي الأمر الذي يحول دون سداد ديونه, علاوة على ان الشخص النزيل قد يكلف خزينة الدولة اضعاف المبلغ المحكوم به, تجدر الاشارة ان الدول الحديثة التي تتسم تشريعاتها بالنضج وقراءة الواقع تقوم بدراسة الجدوى الاقتصادية للنصوص القانونية فاذا ما وجدت ان نصا سيكلف خزانتها مبالغ مالية دون ان يحقق هذا النص المراد من الردع والاصلاح فانها تلجأ الى بدائل اخرى ذات فائدة وجدوى.

من ناحية اخرى هناك اعتبارات اجتماعية وإنسانية تتمثل في أن حبس المدين لعجزه عن الوفاء بالتزام مدني يؤدي الى تفكك الأسرة التي قد تفقد معيلها الوحيد, مما يؤثر على الصورة الاجتماعية للشخص الذي قد يمر بضائقة مالية لم تكن بالحسبان ويخلف اثارا نفسية ومعنوية بالغة عليه وعلى اسرته. كما ان الإكراه البدني الذي يمارس على المدين -الذي لم يرتكب اي جرم جزائي -فيه اهدار للكرامة الانسانية بوصفه اجراء من بقايا ومخلفات العهود القديمة حيث كان القانون الروماني يجيز الحبس كوسيلة لارغام المدين على الوفاء; اذ كان يجوز للدائن بعد مضي 30 يوما من تاريخ حصوله على حكم قضائي بدينه القبض على المدين واسترقاقه بعد مضي 60 يوما من القبض اذا ما استمر في عدم الوفاء.

علاوة على ان الدراسات اثبتت ان الحبس لفترات قصيرة فيه مخاطر كبيرة ; اذ قد يتعرف النزيل على اشخاص من اصحاب الاسبقيات الجرمية الخطيرة وبالتالي يكون عرضة للانحراف وراءهم لتحقيق الكسب غير المشروع بغية سداد التزاماته المالية المتعثرة. واخيرا فأن هناك اعتبارات تتعلق بمبادئ العدالة والانصاف; حيث ينص قانون التنفيذ الاردني في المادة 22 على انه "ج- لا يجوز ان تتجاوز مدة الحبس تسعين يوما في السنة الواحدة عن دين واحد ولا يحول ذلك دون طلب الحبس مرة اخرى بعد انقضاء السنة د- يمكن استمرار الحبس بعد انقضاء مدته من اجل دين آخر وذلك بناء على طلب الدائن نفسه او دائن آخر". وهاتان الفقرتان يكتنفهما الغموض والتناقض وتتعارضان ومبادئ العدالة في ان واحد; فالفقرة (ج) تنص على انه لا يجوز ان تتجاوز مدة الحبس 90 يوما في السنة الواحدة ثم تعود الفقرة (د) لتشير الى انه يمكن استمرار حبس المدين بعد انقضاء مدته من اجل دين اخر هذا من جهة, ومن جهة اخرى ان استمرار طلب حبس المدين كل عام للدين ذاته او لدين اخر يعني ان المدين قد يبقى حبيسا لاجل غير مسمى خاصة اذا لم يستطع سداد هذه الديون لعدم مقدرته المالية.علاوة على ان كثرة القضايا الاجرائية في المحاكم وعجز الكثيرين عن الوفاء بالتزاماتهم المالية يثير تساؤلا حول مدى تمتع الافراد بحقهم بمستوى معيشي كاف وملائم هذا الحق الذي نص عليه العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في المادة 11 منه التي اكدت ان على الدولة - الطرف في العهد - ان تتعهد باتخاذ التدابير اللازمة لإنفاذ هذا الحق.

بقراءة نصوص قانون التنفيذ ومقاربتها مع النصوص الدولية يتبين جليا ان قانون التنفيذ الاردني لا ينتقص من حق الانسان بعدم حبسه في حال عجزه عن الوفاء بالتزام مدني بل يهدر هذا الحق كليا مخالفا بذلك العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي صادق عليه الأردن ونشر في الجريدة الرسمية في عام 2006 وأمسى جزءا من النظام القانوني الوطني, وكما هو معلوم فإن الاجتهاد القضائي لمحكمة التمييز الأردنية استقر على ان المعاهدات والاتفاقيات الدولية تسمو مرتبة على القوانين العادية ولها أولوية التطبيق عند تعارضها معها.

ومن هنا فان هذه دعوة للمحامين للاستناد الى احكام العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي يمنع حبس المدين لعجزه عن الوفاء بالتزام مدني بتقديم طلب أو دفع أمام القضاء.

المحامية نهلا المومني
وحدة التوعية والتمكين
المركز الوطني لحقوق الإنسان