قراءة في العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصــادية ولاجتماعية والثقافيـة

هذا المقال لا يعبر عن رأي المركز ولكن يعبر عن رأي الكاتب

الظلم في مكان ما يمثل تهديدا للعدل في كل مكان[1] ، هذه هي الحقيقة التي تكشفت للعالم بعد سلسلة الجرائم والانتهاكات التي ارتكبت وكان محورها الانسان خلال الحرب العالمية الثانية ، حقيقة قديمة قدم التاريخ الا ان الجرائم التي ارتكبت في تلك الفترة والملايين التي قتلت وشردت وعذبت وابعدت عن ديارها شكلت صدمة للضمير العالمي الذي ايقن ان النصر الناتج عن العنف هو نصر مساو للهزيمة ، ومن هنا انتفض العالم ليعلن عبرميثاق الامم المتحدة الصادر عام 1945 ان حماية حقوق الانسان وحرياته الاساسية هي احدى الضمانات الاساسية للحفاظ على السلم العالمي، وتبع ذلك اصدار الاعلان العالمي لحقوق الانسان عام 1948 والذي اعتبر المستوى المشترك الذي ينبغي ان تستهدفه كافة شعوب الامم فيما يتعلق بحقوق الانسان وحرياته الاساسية، ومنذ ذلك التاريخ لم يعد تعامل الدولة مع الفرد مسألة تدخل في الاختصاصات المطلقة للحكومات كما كان الحال قبل الحرب العالمية الثانية بل اصبح من حق وواجب الامم المتحدة التدخل في حال وقوع انتهاك للانسان وحقوقه في اي مكان وزمان . ولقد شهدت فترة الستينيات والسبعينيات زخما كبيرا فى مجال وضع معايير دولية لحماية حقوق الانسان ، كان من اهمها صدور العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصــادية ولاجتماعية والثقافيـة الذي حول المبادئ الواردة في الاعلان العالمي لحقوق الانسان الى قواعد قانونية ملزمة وضمانات واجبة الاحترام من كل دولة ،والذي اعد من قبل لجنة حقوق الانسان عام 1954 واعتمد من قبل الجمعية العامة للامم المتحدة عام 1966 وبدأ نفاذه عام 1976 بعد ان تم ايداع صك الانضمام الخامس والثلاثين لدى الامين العام للامم المتحدة. ويبلغ عدد الدول المصادقة على العهد حتى عام 2007 مائة وتسعة وستون دولة منها 14 دولة عربية وقد صادقت الاردن عليه في عام 1975 ونشر في الجريدة الرسمية واصبح جزء من النظام القانوني الاردني عام 2006.

الظلم في مكان ما يمثل تهديدا للعدل في كل مكان ، هذه هي الحقيقة التي تكشفت للعالم بعد سلسلة الجرائم والانتهاكات التي ارتكبت وكان محورها الانسان خلال الحرب العالمية الثانية ، حقيقة قديمة قدم التاريخ الا ان الجرائم التي ارتكبت في تلك الفترة والملايين التي قتلت وشردت وعذبت وابعدت عن ديارها شكلت صدمة للضمير العالمي الذي ايقن ان النصر الناتج عن العنف هو نصر مساو للهزيمة ، ومن هنا انتفض العالم ليعلن عبرميثاق الامم المتحدة الصادر عام 1945 ان حماية حقوق الانسان وحرياته الاساسية هي احدى الضمانات الاساسية للحفاظ على السلم العالمي، وتبع ذلك اصدار الاعلان العالمي لحقوق الانسان عام 1948 والذي اعتبر المستوى المشترك الذي ينبغي ان تستهدفه كافة شعوب الامم فيما يتعلق بحقوق الانسان وحرياته الاساسية، ومنذ ذلك التاريخ لم يعد تعامل الدولة مع الفرد مسألة تدخل في الاختصاصات المطلقة للحكومات كما كان الحال قبل الحرب العالمية الثانية بل اصبح من حق وواجب الامم المتحدة التدخل في حال وقوع انتهاك للانسان وحقوقه في اي مكان وزمان . ولقد شهدت فترة الستينيات والسبعينيات زخما كبيرا فى مجال وضع معايير دولية لحماية حقوق الانسان ، كان من اهمها صدور العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصــادية ولاجتماعية والثقافيـة الذي حول المبادئ الواردة في الاعلان العالمي لحقوق الانسان الى قواعد قانونية ملزمة وضمانات واجبة الاحترام من كل دولة ،والذي اعد من قبل لجنة حقوق الانسان عام 1954 واعتمد من قبل الجمعية العامة للامم المتحدة عام 1966 وبدأ نفاذه عام 1976 بعد ان تم ايداع صك الانضمام الخامس والثلاثين لدى الامين العام للامم المتحدة. ويبلغ عدد الدول المصادقة على العهد حتى عام 2007 مائة وتسعة وستون دولة منها 14 دولة عربية وقد صادقت الاردن عليه في عام 1975 ونشر في الجريدة الرسمية واصبح جزء من النظام القانوني الاردني عام 2006.

ويقوم العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصــادية ولاجتماعية والثقافيـة على اربع اسس جوهرية ،شكلت نقلة نوعية لطبيعة النظام العالمي الذي كان سائدا انذاك والقائم على قهر واستعمار واستغلال الشعوب الضعيفة ، وتتمثل هذه الاسس فيما يلي :

اولا : تحرير الشعوب من قهر الاستعمار وذلك بالنص على حق الشعوب في تقرير مصيرها والتصرف بحرية في ثرواتها ومواردها في ظل نظام اقتصادي عادل . وهذا الاساس مصدره ان الفترة التاريخية التي احاطت بفترة صياغة العهد شهدت نشاطا ملحوظا لحركة الشعوب في التحرر من الاستعمار .

ثانيا : تحرير الانسان من قهر الانسان ،بتحريم التمييزبكافة اشكاله و السخرة والعمل الاجباري والتأكيد على المساواة بين الرجال والنساء .

ثالثا: تحرير الانسان من قهر وظلم الحكومات والسلطات واصحاب الاعمال وذلك بتعزيز الحقوق الاساسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية . اما الاساس الرابع والاخير فيقوم على تحرير الانسان الضعيف من اسباب ضعفه بقدر الامكان عن طريق تأمين حماية خاصة للفئات الضعيفة كالطفل والمرأة وكبار السن.

ولا بد من الاشارة الى انه لم يكن من الممكن اعتماد العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية عنداعداده من قبل الجمعية العامه عام 1954 بكل بنوده لاسباب رئيسة اهمها ان الاسس قام عليه العهد تمس المصالح الاساسية الحيوية للدول الكبرى المنشئة للامم المتحدة؛ فالحق في تقرير مصير الشعوب ومنحها حرية اختيار نظمها السياسية والاقتصادية والاجتماعية يعني بالضرورة سرعة تخلي بريطانيا وفرنسا والاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة وغيرها عن نفوذهم ومستعمراتهم في افريقيا واسيا وامريكا اللاتينية، كما ان تحريم العهد للتمييز العنصري كان يتناقض مع الوضع القائم في العديد من الدول ؛ ولهذه الاسباب تم اعتماد العهد من قبل الجمعية العامة بعد اكثر من 10 سنوات على اعداده تم خلال هذه الفترة حصول العديد من الدول على استقلالها والتي انضمت بدورها الى الامم المتحدة ، ففي عام 1960 استقلت في قارة افريقيا وحدها 16 دولة وانضمت للامم المتحدة وفي عام 1966 كان عدد اعضاء الامم المتحدة قد وصل الى 22 دولة غالبيتهم من الدول الحديثة الاستقلال ، وكان لهذه الغالبية العظمى من دول العالم الثالث الاثر الاكبر في اعتماد العهد داخل الجمعية العامة .

ويشتمل العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصــادية ولاجتماعية والثقافيـة على طائفة من الحقوق يمكن تقسيمها على النحو الاتي :

اولا : الحقوق العمالية وتشمل ،الحق في العمل ضمن شروط عادلة ومرضية ،حرية اختيار العمل،الاجر المنصف ،ان يضمن للمرأة تمتعها بشروط عمل لا تكون ادنى من التي يتمتع بها الرجل كذلك الحال بالنسبة للأجر،ظروف تكفل السلامة والصحة،الاستراحة واوقات الفراغ واوقات عمل معقولة ،الحق في تكوين النقابات ، حق الاضراب.

ثانيا : الحق في الحماية الاجتماعية ، ويشمل ،حق الاسرة بالحماية والمساعدة، الحق بانعقاد الزواج برضى الطرفين،حق الامهات بتوفير حماية خاصة لهن قبل الوضع وبعده،حق الاطفال باتخاذ تدابير خاصة لحمايتهم، الضمان الاجتماعي و التأمينات الاجتماعية.

ثالثا : الحق في التربية التعليم ويتضمن، الحق في ان يكون التعليم الابتدائي مجاني والزامي وتعميم التعليم الثانوي والاخذ تدريجيا بمجانية التعليم، جعل التعليم العالي متاحا للجميع وتوجيه التعليم نحو التنمية الكاملة للشخصية الانسانية و تعزيز احترام حقوق الانسان .

رابعا : الحق في الصحة، ويشمل على حق كل انسان في التمتع باعلى مستوى صحي يمكن بلوغه وذلك من خلال خفض وفيات المواليد ووفيات الاطفال وتأمين نمو الطفل نموا صحيا و تحسين جميع جوانب الصحة البيئية والصناعية والوقاية من الامراض الوبائية وعلاجها ومكافحتها وتأمين الخدمات الطبية والعناية الطبية.

خامسا : الحق في مستوى معيشي ملائم، ويتضمن حق كل شخص في مستوى معيشي كاف له ولاسرته يوفر ما يفي بحاجتهم من الغذاء والكساء والمأوى، كما يتضمن الحق من التحرر من الجوع وذلك من خلال تحسين طرق انتاج وحفظ وتوزيع المواد الغذائية واصلاح الاراضي الزراعية بطريقة تكفل افضل انماء للموارد الطبيعية والانتفاع بها وتوزيع الموارد الغذائية توزيع عادل.

سادسا : الحق في الثقافة والتمتع بفوائد التقدم العلمي وتطبيقاته وذلك من خلال حق كل فرد في المشاركة في الحياة الثقافية التمتع بفوائد التقدم العلمي وتطبيقاته والحق في حماية المصالح المعنوية والمادية الناجمة عن اي اثر علمي او فني او ادبي من صنعه و الحق احترام الحرية التي لا غنى عنها للبحث العلمي والنشاط الابداعي .

والانضمام الى العهد يرتب التزامات على الدولة لابد من مراعاتها واحترامها ، وقد حددت المواد من2-5 طبيعة تلك الالتزامات بما يضمن تحقيق الحماية للحقوق الواردة في العهد وفي ذات الوقت يضمن تمكين الافراد من ممارستها ،وتتمثل هذه الالتزامات في :

  • اتخاذ ما يلزم من خطوات لضمان التمتع الفعلي التدريجي بالحقوق المعترف بها في العهد ، ويشمل هذا الالتزام كافة الاعمال والاجراءات التي تملك الدولة القيام بها ابتداء من جعل العهد جزءا من التشريع الوطني ،مرورا بالتربية على حقوق الانسان ونشر ثقافتها في المجتمع وكذلك انشاء المؤسسات ورصد الاموال اللازمة للتمتع بتلك الحقوق وجعلها متاحة للجميع . ويستلزم واجب ضمان التمتع الفعلي التدريجي بالحقوق المعترف بها في العهد ان تتجه الدول الاطراف باسرع ما يمكن نحو اعمال الحقوق المعترف بها ولا يمكن ان يفسر هذا الامر تحت اي ظرف على ان للدول الحق في ان ترجئ بذل الجهود اللازمة لضمان الاعمال الكامل للحقوق الى اجل غير مسمى، وتجدر الاشارة الى نقطة جوهرية في هذا السياق تتمثل في ان الالتزام بالاعمال التدريجي للحقوق ليس مرهونا بالزيادة في الموارد فهو يقتضي استخدام الموارد الموجودة على ارض الواقع استخداما فعالا.
  • اعتماد تدابير تشريعية ، فالتشريعات الوطنية تتمتع باهمية بالغة في حماية حقوق الانسان وتعزيزها ،فعلى الدولة سن القوانين التي تكفل حماية الحقوق الواردة في العهد وفي ذات الوقت تعديل والغاء القوانين التي تتعارض مع احكام العهد .، ولا بد للدولة الى جانب التدابير التشريعية من ان تتخذ التدابير الادارية والقضائية والاقتصادية والاجتماعية والتربوية اللازمة لاعمال الحقوق الواردة في العهد اعمالا كاملا .
  • توفير سبل انتصاف فعالة ، وذلك من خلال جعل الحقوق المحمية بموجب العهد قابلة للتقاضي بها امام المحاكم ،وايجاد قضاء مستقل يمكن اللجوء اليه بسهولة للشكوى او التظلم من الانتهاكات الواقعة على الحقوق الواردة في العهد ،كما يدخل في هذا الاطار تعزيز سبل الانتصاف عبر هيئات غير قضائية مثل اللجان الوطنية وجهات التظلم الادارية والبرلمانية .
  • تقديم التقارير الى اللجنة المعنية بحقوق الانسان ،حيث تتعهد الدول الأطراف في هذا العهد بتقديم تقارير عن التدابير التي اتخذتها والتي تمثل إعمالا للحقوق المعترف بها في العهد الدولي للحقوق الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية ، وعن التقدم المحرز في التمتع بهذه الحقوق و الصعوبات التي تؤثر على إعمال و تفعيل هذه الحقوق .

لقد جاء العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ليضع اساسا متينا للعدالة الاجتماعية في العالم اجمع من خلال صون الحقوق التي تكفل للانسان العيش بكرامة وتحرره من العوز والحاجة لينطلق بعد ذلك مبدعا ومنتجا في انحاء الارض ، فالتطبيق السليم للعهد وللاحكام الواردة فيه يساهم في تحقيق العدالة اجتماعية التي عانت البشرية ولاتزال تعاني من غيابها الذي انتج سوءا في توزيع الثروات والموارد فامسى عالمنا عالم مليء بالجياع والمحرومين والمرضى والمهمشين.

.مقولة شهيرة لمارتن لوثر كنغ[1]

المحامية نهلا المومني
وحدة التوعية والتمكين
المركز الوطني لحقوق الإنسان