المخدرات وحقوق الإنسان

هذا المقال لا يعبر عن رأي المركز ولكن يعبر عن رأي الكاتب

(ان المدمن على المخدرات هو قتيل بين الأحياء لكن روحه لا تزال متعلقة بجسده تتنازعه البقاء، هو شبح هزيل نحيل شبه مشلول فقد صحته وانحدرت نفسه)[1].

أمست ظاهرة الاتجار غير المشروع بالمخدرات وتعاطيها والإدمان عليها تهديداً مستمراً للبشرية جمعاء، حيث أفاق المجتمع الدولي على كارثة تخترق الجغرافيا، دون تمييز بين دولة وأخرى، نامية أم متقدمة، في زمن أصبح العالم فيه أسهل اختراقاً وأقل تحصيناً؛ وذلك بفضل الاندماج المذهل الذي حدث بين ثورتي الاتصالات والمواصلات. وفي ظل هذا التنامي المتزايد لهذه الآفة، كان لا بد للضمير العالمي من أن يعلن التضامن من أجل الوقوف في مواجهة المخدرات، والتي باتت بكل ما تنطوي عليه من آثار سلبية مدمرة للإنسان وكيانه، إحدى أخطر الانتهاكات الواقعة على حقوق الإنسان الصحية والاجتماعية والاقتصادية والامنية.

* المخدرات والحق في الحياة والصحة:

يعد حق الإنسان في الحياة والحق في التمتع بأعلى مستو من الصحة من أقدس الحقوق الإنسانية، حيث أنهما يتعلقان بوجود الإنسان وقدرته على البقاء والاستمرار، وفي ذات الوقت فإنهما يشكلان هدفاً مباشراً لآفة العصر، المخدرات، وقد حظي هذان الحقان بحماية في المواثيق الدولية المختلفة. والصحة كما عرفتها منظمة الصحة العالمية هي حالة من (اكتمال السلامة بدنياً وعقلياً واجتماعياً لا مجرد انعدام المرض أو العجز). وتشير الدراسات والأبحاث والواقع العملي إلى أن الآثار الصحية الناجمة عن تعاطي المخدرات على الصحة البدنية والنفسية والعقلية كفيلة بأن توصل الفرد إلى مرحلة من العجز الجسدي والنفسي قد تؤدي به في كثير من الأحيان إلى الوفاة المبكرة أو الانتحار؛ فالعقاقير المخدرة تحدث تغييرات في وظائف أجهزة الجسم المختلفة وأدائها وينتج عن هذه التغييرات اضطرابات فيزيولوجية ونفسية وعقلية تنعكس آثارها في النهاية على شخصية الفرد وإدراكه وقدراته الجسمية والعقلية. وقد أخذت مشكلة المخدرات بعداً مأساوياً جديداً تمثل في تفاقم انتشار فيروس نقص المناعة المكتسبة (الايدز) بين متعاطي المخدرات بطريق الحقن الوريدي.

* المخدرات والحقوق الاقتصادية والاجتماعية:

تعرقل عملية تعاطي المخدرات تقدم الإنسان على المستوى الاقتصادي والاجتماعي؛ فالإنسان الذي يتعاطى المخدرات يصبح في كثير من الأحيان عاجزاً عن تدبير شؤونه الخاصة أو الإيفاء بالتزاماته تجاه الآخرين فيصبح عالة على أسرته ومجتمعه وذلك نتيجة لعدم مقدرته على ممارسة حقه الطبيعي في العمل ،كمايعاني الانسان الذي يتعاطى المخدرات من الحرمان من التعليم والمشاركة والاندماج في الحياة الثقافية والاجتماعية بسبب ظروفه الصحية وبسبب عجزه الاقتصادي عن الإيفاء بتكاليف التعليم ويمتد هذا الأمر ليشمل أفراد أسرة المتعاطي، ناهيك عن تدني المنزلة الاجتماعية لمتعاطي المخدرات في المحيط الذي يعيش فيه وما ينجم عن ذلك من حدوث خلل في شخصيته يؤدي به في نهاية المطاف إلى تجاهل الأدوار الموكلة إليه وإهمالها وبالنتيجة تفكك الأسرة وتفشي ظاهرة العنف بين أفرادها وفي أحيان كثيرة يلجأ الإنسان تحت تأثير الرغبة الشديدة في تعاطي المخدرات إلى ارتكاب أنماط مختلفة من الجرائم. والمخدرات سلاح فتاك لا يكتفي بالمساس بحقوق شخص المدمن فحسب بل يمتد أثره إلى كل المحيطين به حيث أن تعاطي رب الأسرة للمخدرات يدفع الأطفال إلى الإقدام على تقليده بدافع الفضول أو للهروب من واقعهم المؤلم وهو الأمر الذي يتعارض تماماً مع اتفاقية حقوق الطفل والتي أكدت على أن كلا الوالدين يتحملان مسؤولية مشتركة عن تربية الطفل ونموه وتوجيهه.

* المخدرات والأمن القومي:

إن العيش في بيئة آمنة مستقرة اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً هو حق مقدس لجميع شعوب الأرض وهو ضرورة ملحة لوجود الجماعة وتمتعها بحقوقها الإنسانية وبالتالي تعزيز قدرتها على الإنتاج والإبداع المتواصل، ولأعمال هذا الحق لا بد من الوقوف في مواجهة كل العناصر التي تشكل تهديداً للأمن القومي وتعتبر جريمة المخدرات بكل أبعادها معضلة كبيرة وتهديداً مباشراً للموارد البشرية والاقتصاد القومي كما أنها تعمل على زعزعة الكيان الاجتماعي والسياسي للدولة ، وتلعب المخدرات دوراً رئيساً في انحدار القيم الثقافية والأخلاقية والحضارية لدول العالم وهي كذلك تقف سداً منيعاً أمام تنفيذ خطط التنمية وأمام إطلاق القدرات البشرية واستثمارها، بمعنى أعم وأشمل أمست المخدرات شبحاً يطارد الأمن القومي لدول العالم وبالتالي يهدد حقوق الأفراد والجماعات في التمتع بحقوق الإنسان التي كفلتها المواثيق الدولية. ولا بد من إدراك مسألة غاية في الأهمية وهي أن جريمة المخدرات في وطننا العربي باتت أكثر اتساعاً وتفاقماً خاصة في ظل الأوضاع الأمنية السائدة في المنطقة حيث أمسى الوطي العربي أقل مناعة وتحصيناً تجاه الامتداد الجغرافي المتسارع لمسرح الجرائم المنظمة وعلى رأسها تقف جريمة المخدرات الأمر الذي يعني بالضرورة انتهاكاً أكثر لحقوق الإنسان العربي وزعزعة لأمنه القومي والاقتصادي ومساساً بقيمه الحضارية والأخلاقية.

* حماية حقوق الإنسان في مواجهة المخدرات:

ان السعي الدؤوب لحماية حقوق الإنسان في مواجهة المخدرات يتطلب العمل على صعيدين رئيسن الأول داخلي والثاني دولي.

الصعيد الداخلي / مواجهة المخدرات على الصعيد الداخلي يتطلب وضع استراتيجيات وطنية تتضمن خطط تفصيلية لمكافحة هذه الجريمة ولا بد من أن تقوم هذه الاستراتيجيات بالعمل على محورين:-

اولا: المحور الوقائي:

ويتطلب هذا المحور من الدول أن تقوم بتوفير الحقوق الأساسية للإنسان المنصوص عليها في المواثيق الدولية والتي من شأن توافرها أن يقف حاجزاً ورادعاً أمام انحراف الأفراد وولوجهم عالم المخدرات ويتضمن ذلك:

  1. توجيه الاقتصاد الوطني ووضع سياسات وتقنيات من شأنها تحقيق تنمية اقتصادية واجتماعية تكفل للأفراد وجود فرص عمل بشروط عادلة مرضية تضمن لهم التمتع بمستو معيشي لائق وتقلل ما أمكن من البطالة المتفشية في المجتمعات، البطالة التي تمارس دوراً متقناً في تعطيل الطاقة الجسدية للفرد ، تلك الطاقة التي ترتد عليه فتحطمه وتدفعه لإيجاد طرق غير مألوفة لمواجهة مشاكل الحياة.
  2. إعمال الحق الكامل لكل فرد في التعليم وتوجيه عملية التربية والتعليم إلى الإنماء الكامل للشخصية الإنسانية والحس بكرامتها وإلى توطيد احترام حقوق الإنسان.
  3. وجوب منح الأسرة التي تشكل الوحدة الجماعية الطبيعية والأساسية في المجتمع أكبر قدر ممكن من الحماية والمساعدة.
  4. وفي الاطار القانوني،ً لا بد من سد الثغرات القانونية في التشريعات الوطنية حيث أن مهربي العقاقير المخدرة كانوا وما يزالون عبر التاريخ يتقنون استغلال نقاط الضعف لدى الأفراد وفي النظم القانونية والسياسية القائمة.

ثانيا :المحور العلاجي:

ان التعامل مع متعاطي المخدرات لا بد وأن يوجه نحو احتواء الأفراد الذين كانوا ضحية لهذه الظاهرة، ويشمل ذلك:

  1. علاج مدمني المخدرات: حيث ان الحق في الصحة يجب أن لا يفهم على أنه يقتصر على الحق في التمتع بصحة جيدة فقط وإنما يشمل ذلك أيضاً الحق في الاستفادة من نظام الحماية الصحية الذي يضمن توفير العلاج الملائم لمتعاطي المخدرات ؛ حيث لا بد من أن توفر الدولة القدر الكافي من مرافق الرعاية الصحية وان يتمتع الجميع بدون تمييز بإمكانية الاستفادة من هذه المرافق وان تتوافر لدى المرضى الإمكانية الاقتصادية للاستفادة من خدماتها ولا بد أن تراعي هذه المرافق الأخلاق الطبية وان تراعي متطلبات كلا الجنسين وان تأخذ بعين الاعتبار التوزيع العادل لمراكز العلاج.
  2. التزام الدول ومن خلال مؤسساتها الإصلاحية بإعادة تأهيل الشخص المدمن وإدماجه في الحياة الطبيعية وتوجيهه نحو الإنتاجية وإعادة بناء علاقاته الاجتماعية والثقافية.

المحور الدولي:

تعتبر جريمة المخدرات من الجرائم ذات الطابع الدولي وقد أدركت دول العالم انه لا يمكن لدولة بمفردها أن تتصدى لها بمعزل عن الدول الأخرى وذلك لعدة أسباب منها: اتساع مسرح هذه الجريمة وامتدادها عبر قارات ودول متعددة وسهولة حركة العناصر الإجرامية وتوفر تقنيات الاتصال الحديثة التي هيأت للمجرمين مناخاً من الحرية لتبادل المعلومات وتنفيذ الخطط، يضاف إلى ذلك ان جهود بعض الدول التي تسعى إلى تتبع الأنشطة الإجرامية وتحقيق العدالة الجناية غالباً ما تصطدم بعوائق الحدود الوطنية للبلدان الأخرى وسيادتها القومية .وفي ظل هذه المعطيات أصبحت عملية مكافحة المخدرات واجباً عالمياً واقتنعت دول العالم بضرورة تنسيق وتوحيد جهودها المشتركة في إطار علاقات واتفاقيات دولية. وقد أسفرت الجهود الدولية العالمية التي بذلت منذ بداية النصف الثاني من القرن التاسع عشر عن توقيع عدد من الاتفاقيات الدولية نصت على الحد من تصنيع المخدرات وتوزيعها وتنظيم زراعتها وقصر استخدامها على الأغراض الطبية والعلمية وعلى رأسها اتفاقية عام 1960 والتي عدلت ببرتوكول 1972. وتعتبر ولادة اتفاقية 1988 لمكافحة الاتجار غير المشروع في المخدرات والمؤثرات العقلية حدثاً بارزاً في تاريخ الجهود الدولية المبذولة للتصدي للعقاقير المخدرة حيث تهدف هذه الاتفاقية إلى ملاحقة الإيرادات المتأتية عن تهريب المخدرات وتقنيات تهريبها. وتجدر الإشارة إلى أن من يتولى الإشراف على تنفيذ هذه الاتفاقيات أجهزة تابعة لهيئة الأمم المتحدة وهي: الهيئة الدولية لمراقبة المخدرات، لجنة المخدرات، شعبة المخدرات، منظمة الصحة العالمية، الصندوق الدولي لمكافحة إساءة استخدام المخدرات.

أخيراً بقي أن نقول أن العصر الحالي شهد مولد حركة عالمية للدفاع عن حقوق الإنسان خاض عبر تاريخها الضمير العالمي حرباً ضارية وذلك في سبيل انتشال بني البشر من الظلم والعجز والقهر والاستغلال والجشع وهو أمر تطلب دائماً وأبداً الكشف عن أشد الجرائم خطورة وسرية وملاحقتها بكثير من الشجاعة والمثابرة والأمل المتجدد بوضع حد لمعاناة بني البشر على وجه هذه الأرض.

[1] . من اقوال الدكتور محمد الدقر

المحامية نهلا المومني
وحدة التوعية والتمكين
المركز الوطني لحقوق الإنسان