هل ينتصف مجلس النواب لاستقلال المجلس القضائي ؟

هذا المقال لا يعبر عن رأي المركز ولكن يعبر عن رأي الكاتب


إن مبدأ سيادة القانون يعني أن كل سلطة في الدولة هي نتاج القانون، وتعمل وفقاً للقانون، وهذا يفرض أن يتم إحترام حقوق الفرد وحرياته وحمايتها من التعسف في إستعمال السلطة، والملاذ في حال الاعتداء عليها هو القضاء، الذي يفترض به نظام قادر على حماية وصيانة الحقوق والحريات العامة الأساسية للمواطنين، وتمكينه من اللجوء إلى القضاء وخضوعه إلى إجراءات تمتاز بالعدالة والمساواة، و بات من الضروري بل من الملح إدراك حقيقة لا مفر منها أن صيانة إستقلال المجلس القضائي هي الركيزة الاهم في سعي أي بلد نحو الديمقراطية وحماية وتعزيز حقوق الانسان، ويعد تعبيراً عن القيمة الدستورية لمبدأ الفصل بين السلطات فضلاً عن إعتبار إستقلال السلطة القضائية جوهراً لقاعدة سيادة القانون يعتبر مفترض أساسي وأولي لهذا المبدأ، والقضاء هو القادر على مكافحة الفساد، ونستطيع القول بأن النجاح في مكافحة الفساد في أي مجتمع يتناسب طردياً مع إستقلال القضاء، وصيغت من أجل ذلك الاتفاقايات والاعلانات الدولية وإدراكاً منها الهيئات الدولية لدور القضاء في حماية الحقوق والحريات ما تنفك تؤكد على ذلك في كافة توصياتها للدول الاطراف إذ ضمنت المواثيق الدولية للأشخاص الحق في أن تنظر في نزاعاتهم محاكم مستقلة، حسب المادة 10 من الإعلان العالمي لحقوق والمادة 14/1 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والذي يعتبر جزء من المنظومة التشريعية الاردنية والتي أكدت على أن الناس جميعاً سواء أمام القضاء، ومن حق كل فرد ، لدى الفصل في أية تهمة جزائية توجه إليه أو في حقوقه والتزاماته في أية دعوى مدنية، أن تكون قضيته محل نظر منصف وعلني من قبل محكمة مختصة مستقلة حيادية ، منشأة بحكم القانون، وما جاء في المبادئ الأساسية بشأن إستقلال السلطة القضائية التي إعتمدها الأمم المتحدة في مؤتمرها السابع بموجب القرار رقم 40/32 حيث جاء في مقدمة القرار (( فانه ينبغي للحكومات أن تراعي وتحترم في إطار تشريعاتها وممارساتها الوطنية ،المبادئ الأساسية التالية التي وضعت لمساعدة الدول الأعضاء في مهمتها المتعلقة بضمان استقلال السلطة القضائية وتعزيزه )) وجاء في المادة الأولى منها ( تكفل الدولة استقلال السلطة القضائية وينص علية في دستور البلد أو قوانينه ، ومن واجب جميع المؤسسات الحكومية وغيرها من المؤسسات احترام ومراعاة استقلال السلطة القضائية).

وكفل الدستور الاردني للسلطة القضائية الاستقلال التام في ممارسة أعمالها حسب المادة 27 من الدستور الأردني """ السلطة القضائية تتولاها المحاكم على اختلاف أنواعها ودرجاتها وتصدر جميع الأحكام وفق القانون باسم الملك """" وجاء في المادة 97"" القضاة مستقلون لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون "" " إلا أن القوانين الناظمة لعمل المجلس القضائي في الاردن تشير الى عكس ذلك و تضمنت العديد من النصوص التي تعتبر تعدياً على إستقلال المجلس القضائي، وشكلت محلاً للعديد من النقاشات من قبل مؤسسات المجتمع المدني المحلية والدولية، وأكد عليها العديد من الاكاديميين، وبالرغم من موجه الاصلاحات لمرفق القضاء إلا أنها لا تعدو عن كونها تنظيميه شكلية لم تطال صلب عملية الاصلاح المنشودة والتوجه نحو إستقلال المجلس القضائي، وان المعارضون لإستقلال المجلس القضائي للأسف لم يدركو بعد أن ذلك لم يعد خياراً للمجلس القضائي أو لوزارة العدل بل مصلحةً وطنية وأن التوجه نحو الإستقلال المالي والاداري لا بد منه عاجلاً أم اجلاً، لأن الامر لم يتوقف عند عدم الإستقلال المالي والاداري بل طال العملية القضائيه برمتها الى تدخل في كافة التفاصيل، وعلية كان لازاماً المطالبة بإستقلال المجلس القضائي حامي الحقوق الحريات.

وبمراجعة قانون إستقلال القضاء وتعديلاته نلحظ بأن كافة التعديلات التي طرأت لم تتضمن أي نص جديد يؤكد أو يعززإستقلال المجلس القضائي أو يوحي بذلك من قريب أو بعيد، ومن ذلك ما جاء في المادة 16 من القانون والتي تجيز إنهاء خدمات القاضي أو إحالته على الاستيداع دون تسبيب والتي تعد بحق محور إستقلال القاضي، وأن الاستقلال والنزاهة هما المبادئ الأساسية لذلك ويقصد بالاستقلال: تعبير عن القيمة الدستورية لمبدأ الفصل بين السلطات، وإستقلال السلطة القضائية هو تعبير عن علاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، تقوم على أساس ضمانات دستورية وقانونية، يشترك فيه القاضي والسلطة القضائية في أنٍ واحد، ويتجلى الاستقلال الفردي للقاضي بحصانته وحمايته وإحتفاظه بمنصبة وواجب الدولة أن توفر الموارد المادية الكافية لتمكين السلطة القضائية من القيام بدورها، أما النزاهة فهي الحالة الذهنية التي تعني بأن تكون المحكمة وقضاتها مجردين من جميع الأفكار المسبقة بشأن المسالة التي تطرح عليهم، وأن يتصفوا بالحياد تجاه أطراف الدعوى، وتتضمن عنصرين ذاتي: يتمثل في أن لا يكون للقاضي أية فكرة مسبقة أو تحيز أو ميل، والثاني موضوعي: بتأمين الضمانات القانونية اللازمة لحسن سير الإجراءات والمساواة بين الخصوم ويقين القاضي بعدم تعرضه لأي مسؤولية جراء حكم أصدره ، وعلية نجد في المادة 16 مخالفة صريحة لمضمون هذه المبادئ وتحديداً للركن الموضوعي لإستقلال القاضي وركن الاستقلال، ويجب أن لا يبقى القاضي عرضه للإحالة على الاستيداع أو التقاعد بل كفلت كافة القوانين والمواثيق الدولية إستقلال القاضي وأن لا يتم عزلة من منصبة إلا بناء على مسؤولية تأديبية أو الوفاه، أما بالنسبة للمادة 41 من القانون تضمنت ايضاً خروجاً سافراً على إستقلال المجلس القضائي بتبعية جهاز التفتيش الى وزارة العدل وتحديد مهام جهاز التفتيش بنظام يصدر لهذه الغاية وهذا بحد ذاته خروج على النصوص الدستورية، هذا بالاضافة الى أن الفقره د منها أجازت إنهاء خدمات المفتش بناء على تنسيب الرئيس مما يشكل معيق رئيس أمام جهاز التفتيش القضائي ومدى فعاليته، وجاء في الفقرة هـ بأن المفتش يقدم التقرير الى وزير العدل ورئيس المجلس وما علاقة وزرة العدل بهذه التقارير ألا تعد شأناً قضائياً صرفاً، - ولماذا يتم الاحتفاظ بملفات القضاه السرية في وزارة العدل - ولماذا مقر جهاز التفتيش القضائي في وزراة العدل اذ جاء في المادة الثامنه عشر من الاعلان المشار إليه ( لا يكون القضاة عرضة للإيقاف أو للعزل إلا لدواعي عدم القدرة أو دواعي السلوك التي تجعلهم غير لائقين لأداء مهامهم )، وخلا القانون المذكور من أي نصٍ يجيز للقضاة تأسيس نادي لهم لممارسة أنشطتهم اللامنهجية أوالفكرية، وإذا ما إطلعنا على مدونة السلوك القضائي نجد أنها نصوص تشكل بمجموعها قيوداً على القاضي تمنعه من التواجد في الاماكن العامه وهذا مخالف لما جاء في المادة الثامنة من الاعلان (( وفقا للإعلان العالمي لحقوق الإنسان يحق لأعضاء السلطة القضائية كغيرهم من المواطنين التمتع بحرية التعبير والاعتقاد وتكوين الجمعيات والتجمع ومع ذلك يشترط أن يسلك القضاة دائما لدى ممارسة حقوقهم مسلكا يحفظ هيبة منصبهم ونزاهة واستقلال القضاء)) أما بالنسبة لما جاء في المادة 20 والتي تلزم إخضاع القاضي الذي سيتم ترفيعة من الدرجة الرابعة الى الثالثة لمقابلة شخصية لتقرير أهليتة للترفيع - هذا مع العلم بأن القاضي خضع مسبقاً للعديد من المسابقات والامتحانات عند التعيين والالتحاق في المعهد القضائي- ويفترض أنه تم التحقق من كفاءاتة العلمية ويشار الى أن القاضي تحت التدريب يخضع لإشراف قاض البداية سابق الذكر ولا يتم تثبيته مالم يقدم قاضي البداية تقريراً بأنة كفوء لشغل منصب القضاء وأن قاضي البداية سيخضع أيضاً لمقابلة للترفيع فهذا تناقض واضح في مضامين هذه المادة وإذا ما تبين عدم كفاءته ماذا بشأن حقوق الافراد التي فصل فيها على مدار السنين ؟؟ وماذا بشأن تقريره بأن القاضي تحت التدريب صالح لشغل منصب القضاء ؟؟ وكان الاجدر الإبقاء على النص القديم الذي يلزم القاضي بتقديم بحث علمي ، أما بالنسبة لما ورد في الماد العاشرة والتي تحدد سن القاضي بـ 25 عاماً تحتاج الى توقف وتروي كثيراً هل الفرد في عمر الخامسة والعشرين قادر على تولي منصب القضاء وهل إستقر منهجه العلمي وتوجهاته الفكرية ليصبح مؤهلاً لشغل منصب القضاء في الحقية هذا النص فيه إثم تشريعي لاتحمد عقباه لما له من تأثير كبير على القضاء برمته – ماذا نقول في رفض ابو موسى الاشعري في عمر يزيد عن الاربعين تولي منصب القضاء ؟؟؟

والسؤال الذي لا يزال يطرح بشده لماذا لا يتم تعيين القاضي إلا بناءً على تنسيب من وزير العدل ألا يعد ذلك تعدياً صارخاً على إستقلال المجلس القضائي حسب ماورد في المادة 14 من القانون المذكور الذي لا يزال يعطي صلاحية لوزيرالعدل بالتنسيب لرئيس المجلس القضائي لتعيين القضاة، وهنا تثور مشروعية السؤال الذي يقول ما مدى تفعيل المادة 9 من قانون إستقلال القضاء والتي تنص (( للمجلس وضع الاقتراحات التشريعية التي تتعلق بالقضاء والنيابة العامه واجراءات التقاضي وحساب القضاة في صندوق التكافل الاجتماعي للقضاه واعوان القضاء وتاخذ الحكومة رأية بالتشريعات المقترحة في هذه المجالات )) وماذا بشأن قانون النيابة العامة والذي تضمن العديد من النصوص التي تشكل تعدياً على إستقلال المجلس القضائي التي لا يتسع المقام لشرحها ألم يكن من الاجدر أن يتم ضمان إستقلال النيابة العامة عن وزارة العدل في ممارسة أعمالها ومنحها صلاحية الاشراف على أفراد الضابطة العدلية ومراكز الاصلاح والتأهيل و مختبرات الادلة الجرمية والتحليل والطب الشرعي، والاتجاه نحو الاخذ بنظام إتهام واضح وفقاً لما إستقر علية الفقه القانوني، وماذا بشأن قانون إدارة قضايا الدولة والذي تضمن العديد من النصوص التي تشكل مساساً حقيقياص باستقلال السلطة القضائية ، بل تجاوز الامر أكثر من ذلك بأن تم تفسير الارادة الملكية السامية التي صدرت في مؤتمر القضاء وتم بموجبها منح القضاة قطع أراضي بأنها لاتشمل الا القضاة المعينين وقت صدورها ألا يعتبر القاضي بعد صدور الارادة الملكية قاضياً بالرغم من صدور الارداة الملكية بتعيينه.

بحق نحن بحاجة الى مراجعة للمنظومة التشريعية المتعلقة بعمل السلطة القضائية وأنني اجزم بأن أحد الاسباب الرئيسية وراء تزايد ظاهرة العنف المجتمعي في وطننا هي ما يثار من تأخر في فصل القضايا وفعالية الاجراءات التي ترافق هذه العملية منذ تقديم الشكوى الى صدور حكم، هذا بالرغم من أن القضاء في الاردن تقدم بخطوات أستطيع القول بأنها نوعية الا أنها وكما أسلفت لم تطال جوهر عملية إستقلال المجلس القضائي، وأنا أجزم بأنه لا يخلو كتاب تكليف سامي لأي حكومة من التأكيد عليها بإتخاذ جميع التدابير التي تضمن إستقلال السلطة القضائية، وعلية تبقى الامال معلقة على مجلس النواب الحالي بالتريث كثيراً عند مناقشة هذه القوانين.


المحامي صدام أبو عزام
وحدة التشريعات
المركز الوطني لحقوق الإنسان