من أين يأتي القانون

هذا المقال لا يعبر عن رأي المركز ولكن يعبر عن رأي الكاتب

بغض النظر عن الزاوية التي يتم النظر منها الى القانون سواء اكانت مذهبا شكليا كالشرح على المتون ام مذهباً موضوعياً والذي ينظر للقانون نظرة فلسفية تحليلية في بعدة الاجتماعي، الا ان الجميع يكاد يجمع على ان القانون يعتبر حقيقة اجتماعية، ومن غير المتصور ان يعيش الانسان في مجتمع لا تحكمه مجموعة من القواعد السلوكية التي تفرض إحترامها على اعضاء كافة شرائح المجتمع، وتقترن بجزاء منظم توقعه السلطه العامه. فالانسان مخلوق مدني الطبع، يترتب على عيشه في مجموعة ما دخوله معهم في تصرفات ومعاملات مختلفة و تعارض المصالح التي تغدو نتيجة حتمية اذا ما سلمنا باستحالة المجتمع المثالي "الافلطوني".

وتعتبر القواعد القانونيه الناظم الحقيقي لهذه التعاملات، للتخفيف من حدة التعارض والتضارب، وللحد من رغبات الافراد المطلقة وتنظيمها، ويلاحظ بأن القوانين تختلف في احكامها بإختلاف البلاد التي نشأت فيها تبعاً لإختلاف التقاليد والاعراف والعادات المجتمعية ، ناهيك عن العوامل الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية.

إذن نستطيع القول بأن القانون إحتياج نابع من فكره أصيله إستقرت في مجتمع ما، وثبت في ضمير ووجدان المجتمع الزاميته، وبالتالي فإن شرعنه هذه القواعد واخراجها بصيغه قانونيه يحتاج الى عمليه منظمه للخلوص الى القاعده الناظمه لهذا المجتمع، ولعل طرح القاعدة القانونيه للنقاش خلال فترة زمنيه يعد أنجع الوسائل للوصول الى قاعده قانونيه تتمتع بالثبات والاستقرار.

ولا يخفى علينا ما للمراحل السابقة للصياغة من اهمية للكشف عن نيه وغايه المشرع من سن هذه القاعده وهي ما عبر عنها بالاعمال التحضيريه، التي تعتبر مصدرا من مصادر التفسير، والارتقاء بالقاعده القانونيه الى مصاف العموم والتجرد لتحقق الغايه المتوخاه منها وهي العداله الاجتماعيه، ولا يتأتى ذلك إلا من خلال إتباع أسس الصياغه القانونيه السليمة التي تعتمد الكم بدل الكيف، وعدم ترك صلاحيات تقديرية واسعه مراعيه في ذلك المنظومه التشريعية ككل.

ولعل من أخطر الطرق في صياغه القاعده القانونيه هو اللجوء الى اسلوب الحيل القانونيه "المجاز" والتي تقوم على خلاف القرينه، وذلك على افتراض أمر مخالف للواقع والحقيقه للوصول الى ترتيب أثر قانوني، لما ترتبه هذه الطريقه من افتراضات وصياغات واسعه وفضفاضه وبالتالي لايمكن استبعاد اي تفسير او حاله مسجده من ضمنها. حيث لاقت هذه الطريقه هجوما من فقهاء القانون لما تلحقه من اساليب تشويه للحقيقه طالما ان المستجدات من سنن الكون.

وعادة ما يلجاء المشرع الى الحيل القانونيه "المجاز" في الحالات الضيقه والنادره لالحاق شئ بحكم شئ اخر مناقض له، لاضفاء نفس الحكم، والمثال الجلي على ذلك هو نظام الموت المدني فمن يحكم علية بالموت المدني يعامل معاملة الميت بالرغم من انه حي، وعادة يتم استخدام الحيل القانونيه لمواجه مشاكل عمليه لا يمكن إيجاد حلول لها من الناحيه القانونيه مثل توريث الجنين في بطن أمه عند وفاه والده، إن القانون الذي لا يراعي أبسط هذه القواعد في تجلياتها وصورها الحقيقيه ولا يستند الى حاجات مجتمعيه مستوحاه من قيم وتقاليد المجتمع يصدق عليه القول من أين يأتي هذا القانون ويدخل في براثن الانحراف التشريعي.

المحامي صدام أبو عزام
وحدة التشريعات
المركز الوطني لحقوق الإنسان