المركز الوطني لحقوق الإنسان خطوة إلى الأمام

هذا المقال لا يعبر عن رأي المركز ولكن يعبر عن رأي الكاتب


تستمد المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان اختصاصها من الولاية الدولية المتمثلة في إعلان المبادئ المتعلقة بمركز المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان (بتاريخ 20 كانون اول لعام 1993) التي تبنتها الجمعية العامة للأمم المتحدة بقرارها رقم (134/48)، وتمثل مجموعه من القواعد العامة التي تحدد أسس عمل المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان وطرق تشكيلها واختصاصاتها ومسؤولياتها والتي تعرف بمبادئ باريس.

ولضمان قيام هذه المؤسسات بالأدوارالمطلوبة منها حددت هذه المبادئ أن يتم إنشاء مثل هذة المؤسسات بنصوص تشريعية تضمن إستقلاليتها وقدرتها على ممارسة نشاطاتها على أكمل وجه، وحسب هذه المبادئ تتمتع هذه المؤسسات باستقلالية تامة عن غيرها من أجهزة الدولة وكذلك عن باقي مؤسسات المجتمع المدني، وأن تقوم بعملها بكل حيدة ونزاهة وموضوعية، ولايتأتى ذلك إلا من خلال الاستقلال القانوني عبر إنشاء مثل هذه المؤسسات بموجب قانون يضمن ثباته، ليمكنها من ممارسة اختصاصاتها الفكرية والحقوقية وشبة القضائية والمالية بكل إستقلالية دون تدخل من أي جهة، ولضمان قدرتها على تنفيذ وإدارة شؤونها بكل إستقلالية ومنحها نوعاً من السلطة القانونية لإجبار الجهات الأخرى على التعاون معها ليتسنى لها القيام بأعبائها، اذ أكدت تلك المبادئ على انه: " ينبغي أن تملك المؤسسة الوطنية الهياكل الأساسية المناسبة لحسن سير أنشطتها، وبصفة خاصة الأموال الكافية لذلك، وينبغي أن يكون الغرض من هذه الأموال هو تزويدها بموظفين ومقار خاصة بها لتكون مستقلة عن الحكومة وعدم خضوعها لمراقبة مالية قد تؤثر على استقلالها، وينبغي لكفالة استقرار ولاية أعضاء المؤسسة، التي لن تكون المؤسسة مستقلة حقا بغيره، أن تكون تسميتهم بوثيقة رسمية تحدد، لفترة معينة مدة ولايتهم، وتكون الولاية قابلة للتجديد شريطة كفالة استمرار التعددية في عضوية المؤسسة ".

ولطالما ثار جدل قانوني كبير حول طبيعة المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان بالرغم من الضمانات القانونية التي تتمتع بها، هل تعتبر مرفقا عاما؟ شأنها في ذلك شأن باقي المؤسسات العامة أم أنها مؤسسة عامة مستقلة أم مؤسسه ذات نفع عام؟ولم يكن المركز الوطني لحقوق الانسان بمنأى عن هذا النقاش.

وفي سابقة هي الأولى من نوعها حسم هذا الجدل الديوان الخاص بتفسير القوانين في قراره رقم 3 لسنة 2009 تاريخ 2/8/2009 بعدم اعتبار المركز الوطني لحقوق الإنسان مؤسسة عامة (حكومية) بمعنى انه ليس احد الهياكل التي تشرف عليها الدولة كباقي المؤسسات العامة، وإنما خلص القرار إلى أن المركز الوطني لحقوق الإنسان والمنشأ بموجب قانون رقم 51 لسنة 2006 مؤسسه ذات نفع عام تتمتع باستقلال تام في ممارسة أنشطته وفعالياته الفكرية والسياسية والإنسانية والمتعلقة بحقوق الإنسان ولا يسأل المركز أو أعضائه عن الإجراءات التي يتخذها في حدود اختصاصه.

وأكد القرار في متنه على أن تأسيس المركز في المملكة الأردنية الهاشمية بهدف تعزيز مبادئ حقوق الإنسان وتلبية لمقتضيات الاتفاقيات والمواثيق والعهود الدولية ويتمتع المركز بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري وتتألف موارده المالية من التبرعات والهبات وما يقرر مجلس الأمناء قبوله من الوصايا والوقف ومن ريع الأنشطة والمشاريع المالية والثقافية التي يقوم بها وما تقدمة الحكومة من دعم مالي له، إلا أن هذا الدعم لا يفقد المركز الوطني استقلاليته، ويتمتع المركز بالاستقلالية التامة في مجال ممارسة أنشطته وفعالياته الخاصة بحقوق الإنسان والتحقق من مراعاة هذه الحقوق في المملكة وتبادل المعلومات والخبرات مع الجمعيات والمنظمات الوطنية والعربية والإسلامية والمؤسسات الإقليمية والدولية .... وعليه فان هذا المركز يعتبر مؤسسة ذات نفع عام.

وأمام هذه العبارات قطعية الدلالة والتي تعد بمثابة قانون لتصدي الديوان الخاص بتفسير القوانين لها حسب النظام القضائي الأردني، يغدو المركز الوطني أولى المؤسسات الوطنية في حسم النقاش والخلاف الدائر حول استقلال مثل هذه المؤسسات في المنطقة فضلا عن اتفاق هذا التفسير مع متطلبات مبادئ باريس.

وبحسب الفقة الإداري فإن المؤسسات ذات النفع العام يجب أن تتوافر لتكوينها ثلاث عناصر، أولها: أن تكون مهمة هذه المؤسسات تقديم النفع العام أي أن يتصل نشاطها بالصالح العام، وثانيها: جهاز مكلف بالتنفيذ تديره وتشرف علية هيئة معينة، وثالثها: امتيازات خاصة مميزة لهذه المؤسسات لتسيير أعمالها، ومفاد ذلك أن المؤسسات ذات النفع العام ذات وصف قانوني مختلف عن باقي الهياكل العامة للدولة، وتقوم بنشاط منتظم تمارسه مجموعة بشرية مستعينة بوسائل مادية وفنية وقانونية لتحقيق مبتغاها.

وتعتبر الوسائل القانونية (سند إنشائها) أهم الوسائل التي تستعين بها هذه المؤسسات لتحقيق أهدافها فضلا عن أساليب القانون العام، وتعامل بهذه الصفة، أما الوسائل الفنية في تسيير شؤونها وإدراتها فتستخدم الوسائل التي تتفق وطبيعتها من حيث العنصر البشري والمالي والعقاري، إذ يكفي إنشاء مثل هذه المرافق من الدولة ولا يشترط أن تقوم الدولة بإدارتها ويكتفى بالإشراف عليها من قبل لجنة أو هيئة تحدد في وثيقة إنشائها، أي القانون.

وتجدر الإشارة إلى اختلاف هذه المؤسسات عن المنظمات الأهلية (أو ما يطلق عليها مؤسسات المجتمع المدني) والتي قوامها مبادرات فردية أو جماعية مبنية على قرارات طوعية، وبين الهياكل التي تبتغي الربح وان كانت تقدم خدمة عامة مثل مشروعات الخدمات العامة من ماء وكهرباء ومداس وجامعات خاصة .... الخ.

إن بناء مؤسسات قوية تُعنى بتعزيز وحماية حقوق الإنسان على المستوى الوطني للدول هو ما سيضمن على المدى البعيد صون حقوق الإنسان وترسيخها بصورة مستدامة، ولذلك يجب أن يشكل إنشاء أو تطوير نظام وطني للحماية في كل دولة، بآليات قانونية تضمن استقلال مثل هذه المؤسسات في ممارسة أنشطتها وفقا للمعايير الدولية لحقوق الإنسان ومبادئ باريس.

وعليه فان القرار المذكور يعتبر نقلة نوعية من شانها تعزيز عمل المركز ومنحه صلاحية قانونية بالإضافة إلى قانونه من أجل ضمان تحقيق أهدافه، على ضوء تأكيد القرار على استقلالية المركز في ممارسة كافة أنشطته، وهذا يقودنا الى نتيجة مفادها أن العمل على حماية وتعزيز حقوق الإنسان في الأردن أصبح عملا ممنهجا ينطلق من رؤى وتطلعات حقيقية، والسير على الطريق الصحيح نحو مأسسة العمل لإستكمال بناء المجتمع المدني في جو من العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص وسيادة القانون لحماية وتعزيز حقوق الانسان إذ أن مثل هذه الخطوات تعد كبيرة على الصعيدين الدولي والإقليمي.


المحامي صدام أبو عزام
وحدة التشريعات
المركز الوطني لحقوق الإنسان