آفة الاتجار بالبشر

هذا المقال لا يعبر عن رأي المركز ولكن يعبر عن رأي الكاتب

إن الاعتراف بالكرامة الإنسانية المتأصلة حق من أهم حقوق الإنسان ويقضي بضمان تمتع جميع أفراد الجنس البشري بحقوقهم، وهو ما نصت علية مواثيق حقوق الإنسان وضمنته دساتير الدول بالإضافة إلى بعده الديني والأخلاقي والذي يمنح هذه الحقوق صفة إلزامية تفرض على جميع أعضاء المجتمع الدولي بكفالة هذه الكرامة، وعدم تعرضها للاضطهاد أو الانتهاك. ولعل الاتجار بالجنس البشري يمثل انتهاكا صارخا لهذه الكرامة ولأبسط حقوق الإنسان وبات من الضروري دق ناقوس الخطر للتصدي لهذه الظاهرة في مجتمع من المفترض به حماية حقوق الإنسان وتعزيزها بموجب آليات دولية تم الاتفاق والمصادقة عليها.

الاتجار بالبشر هذا المصطلح الغريب والدخيل سيكون محورا للنضال في القرن الحالي، إذا ما تصدى المجتمع الدولي لهذه الظاهرة، إذ أضحت مشكلة عالمية تؤرق كاهل العالم داخل وعبر الحدود القومية إذ تعتبر من أكثر أشكال الجريمة الدولية تحقيقا للربح كونها جريمة مركبة ومنظمة ويصعب اكتشافها إذ أصبحت أكثر تجارة غير شرعية في العالم، وأصبحت عابرة للقارات والثقافات تمتد على خارطة العالم من إفريقيا إلى أوروبا فآسيا فالأمريكيتين، والصعوبة في هذه الجرائم عدم القدرة على الحصول على إحصائيات عن عدد الأفراد الذين يتم الاتجار فيهم، وقبل الولوج في هذه الظاهرة لابد من بيان المقصود بهذه الجريمة إذ تم تعريفها وفقا لبروتوكول منع وقمع ومعاقبة الاتجار بالأشخاص لعام 2000 انه" تجنيد أشخاص ونقلهم أو إيوائهم أو استقبالهم بالتهديد أو بالقوة أو بأي أشكال القسر والاختطاف أو الاحتيال أو الردع أو إعطاء المزايا والمبالغ النقدية للسيطرة عليه بهدف الاستغلال في جريمة " وعرفته منظمة العفو الدولية على انه انتهاك حقوق الإنسان بما فيها الحق في السلامة الجسدية والعقلية والحياة والحرية وأمن الشخص والكرامة والتحرر من العبودية وحرية التنقل والصحة والخصوصية والسكن والأمن.

وتصنف الدول المشتركة في هذه الجريمة إلى ثلاث أنواع:

  1. دول مصدرة: والتي يتم عرض الضحايا فيها وهي على استعداد لتصديرها ومعظم هذه الدول يعاني من الحروب والأزمات السياسية والاقتصادية إذ تعرض دول جنوب شرق أسيا 225 ألف حالة سنويا وجنوب أسيا 150 ألف حالة سنويا ودول الاتحاد السوفيتي سابقا 100 ألف حالة أما شرق أوروبا فيعرض 57 ألف وأمريكا اللاتينية والكاريبي 100 ألف وإفريقيا 50 ألف حالة.
  2. دول مستوردة: وهذه الدول تستقبل الضحايا أو تكون طالبة للضحايا إذ تقدر المفوضية السامية لشوؤن اللاجئين عدد الأشخاص الذين يتم الاتجار بهم في أوروبا وحدها ما بين 100 ألف الى500 ألف شخص سنويا وفي تقرير أمريكي نشر عام 2001 يقدر عدد الأفراد الذين يتم الاتجار فيهم كل عام في العالم بما يتراوح ما بين 800 ألف إلى 900 ألف على الأقل.
  3. دول المعبر: والتي تشكل حلقة الوصل بين الدول العارضة والدول الطالبة ويتم خلالها تمرير الحالات.

ولعل ما يدفعنا للقول بان هذه الجريمة في ازدياد إذا ما اطلعنا على حجم البضاعة المطروحة في هذه السوق القذرة فتقدرها الأمم المتحدة بما يزيد عن 27 مليون إنسان يعيشون في حالة استعباد في حين تقدر منظمة العمل الدولية البضاعة المتداولة في سوق العمل القسري بحوالي 120.3 مليون إنسان ومن بينهم 1.2 مليون طفل يخضعون للعمل القسري والاسترقاق الجنسي وتعتبر هذه السوق بالنسبة للمتعاملين بها مربحة إذ تقدر منظمة العمل الدولية أرباح الاستغلال الجنسي للنساء والأطفال وحده بحوالي 28 مليار دولار سنويا أما أرباح العمالة القسرية فتقدر بحوالي 32 مليار دولار سنويا.

وتتعدد صور هذه الجريمة بحيث يمكن أن تقع بتوافر احد الحالات التالية:
البغاء: من أهم واخطر صور الاتجار بالبشر والأكثر انتشارا في دول العالم لما تحققه من ثروات ضخمة وضعف

  1. في الخطورة، وما أطلق عليه "الرقيق الأبيض"، والأشخاص المستهدفين في هذه الصورة أكثرهم من النساء والفتيات والأطفال ذكورا وإناثا.
  2. الاتجار في الأطفال: هذه الصورة لا تقل أهمية عن سابقتها في استغلال الأطفال في التجارة الجنسية والعمالة غير المكلفة والخطرة والتجنيد في المناطق المسلحة، إذ تقدر اليونسف أن هناك ما يربو عن 300 ألف طفل تحت سن الثانية عشر يستغلون في الوقت الحاضر في اكثر من ثلاثين نزاعا مسلحا عبر العالم ففي معظم الأحيان يتعرضون إلى الاغتصاب ويكونون عرضة لالتقاط الأمراض، أما الفتيات فيتم إجبارهن على الزواج أو ممارسة الجنس مع المقاتلين.
  3. تجارة أو نزع الأعضاء البشرية: وتعتبر من ابشع صور هذه الجريمة لما يرافقها من حاجة مالية للضحية تجبره على بيع أعضاء جسمه من الكلى والقرنية والكبد والقلب.


والقاسم المشترك بين جميع هذه الصور هو السرية واستعمال القوة والاحتيال والإكراه والحاجة المالية وإرغام الضحية وإجبارها على الصمت. هذا وتعتبر هذه الجريمة من الجرائم المنظمة التي صنفت بأنها من اخطر الجرائم التي تحتاج تكثيف الجهود وعدم الاكتفاء بصياغة القوانين والاستراتيجيات، حيث أن هذه الجريمة تشكل انتهاكا صارخا لحقوق الإنسان وآدميته وكرامته وتحتاج إلى عمل جمعي منسق محليا وإقليميا ودوليا يستقطب كافة القوى والمؤسسات وحشد الموارد المالية والبشرية والخبرات المحلية والدولية، واستحضار روح الأمة ودينها وثقافتها وأخلاقها لتطويق الآفة وحصرها وتجفيف منابعها وصولا إلى اجتثاثها من جذورها.

المحامي صدام أبو عزام
وحدة التشريعات
المركز الوطني لحقوق الإنسان