أطفال الشوارع وحقوق الانسان

هذا المقال لا يعبر عن رأي المركز ولكن يعبر عن رأي الكاتب


رغم وجود الاتفاقيات الدولية والإقليمية التي تضمن حماية حقوق الطفل، وفي مقدمتها اتفاقية حقوق الطفل الصادرة عن الامم المتحدة عام 1990، إلا أنه لا يزال الملايين من الأطفال حول العالم يعانون كل مظاهر الانتهاك لحقوقهم الاساسية، وابرزها التشرد والاستغلال.

ولا شك أن انتهاء الحرب الباردة، وسيادة اليات الاقتصاد الحر، وتأثيرات اتفاقيات الجات والشركات المتعددة الجنسية، فضلاً عن السياسات التي ينتهجها البنـك الدولي وصندوق النقد الدولي، واندلاع الحروب الإقليمية والأهلية، كلها أسباب أسهمت إسهاما مباشرا في تردي الأوضاع الاقتصادية للعديد من الدول النامية ومن بينها الاقطار العربية. كما أدى انتشار البطالة والفقر وتزايد نسبة عمالة الأطفال والتسرب من التعليم وما ترتب عليه من ظواهر التفكك الاجتماعية، إلى انتشار ظاهرة أطفال الشوارع وتزايد حجمها.

ان ظاهرة أطفال الشوارع لا تقتصر على الدول النامية فحسب، وانما تعاني منها الدول المتقدمة ايضا، وان اختلفت النسب من دولة لاخرى، ولكن يلاحظ ان هذه الظاهرة لم تأخذ حقها الكافي من الدراسة والبحث في الدول العربية، فلا تتوافر بيانات وإحصاءات دقيقة للوقوف على حقيقة حجمها، وإن كانت التقديرات تشير إلى وجود ما يزيد عن مليون ونصف طفل في مصر مثلا.

ويمكن القول ان استمرار هذه الظاهرة يؤدي إلى احداث العديد من المشاكل الاجتماعية خلال السنوات المقبلة، فهي تهـدد بانتشار العنف والجريمة وتزايد معدلات الإدمان، وما يترتب عليه من انتشار الأوبئة والأمراض وأخطرها الإيدز، فضلا عن تزايد شريحة المتسربين من التعليم، مما يعرقل مسيرة التنمية التي تعاني ، هي اصلا، من عوائق سياسية واقتصادية واجتماعية عديدة.

أما على صعيد كيفية معالجة هذه الظاهرة فهي تختلف من دولة لاخرى وفقا للإمكانيات والموارد المتاحة لكل دولة، وربما تحتاج الى التخطيط الاستشرافي للقضاء على الظاهرة، بحيث تستوعب أكبر عدد ممكن من أطفال الشوارع من خلال اعتماد وسائل تتناسب مع الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل، وإنشاء مراكز التدريب المهني والحرفي لتأهيل هؤلاء الأطفال وتوفير الحد الأدنى من المعرفة الذي يتيح لهم الاندماج في المجتمع بعيدا عن الاكتفاء بالمعالجات الأمنية السطحية التي لا تسبر غور الظاهرة بشكل كاف.

ولا بد من القول بان المجتمع المدني بمؤسساته المختلفة معني بفتح حوار عام حول هذه القضية الخطيرة والملحة، وذلك من اجل توفير الحزمة المناسبة من السياسات الواجبة على الأصعدة السياسية والتشريعية والاجتماعية والاقتصادية لحل هذه المشكلة على نحو جدي، كما ان هناك ضرورة الى مشاركة وسائل الإعـلام في تناول هذه الظاهرة والتوعية بأسبابها ومخاطرها، وخصوصا اننا بدأنا نشهد، في الاونة الاخيرة، تفاقم المشكلة في الاردن رغم انها لم تصل بعد، ولله الحمد، الى ما يمكن ان يطلق عليه مسمى الظاهرة الاجتماعية.

الأستاذ محمد يعقوب
رئيس وحدة الأبحاث والتوثيق
المركز الوطني لحقوق الإنسان