بيان اعلامي للمركز الوطني لحقوق الانسان حول استفتاء حظر بناء المآذن في سويسرا

يستهجن المركز الوطني لحقوق الانسان نتائج الاستفتاء السويسري القاضي بفرض حظر دستوري على بناء المآذن، ويؤكد على أن هذا الحظر يتعارض كليا مع الالتزامات الدولية الواردة في المواثيق الدولية لحقوق الانسان، والتي تؤكد على حرية الاعتقاد وممارسة الشعائر الدينية بوصفها حقوقا عالمية مطلقة وغير قابلة للتجزئه أو الانتقاص، وخصوصا ما تضمنته المادة (18) في كل من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، وإعلان الأمم المتحدة لمحو جميع أشكال التعصب والتمييز القائمين على أساس الدين أو المعتقد لعام 1981، وإعلان مبادىء التسامح لعام 1995، ووثيقة فيينا الختامية لعام 1989، والاتفاقية الدولية حول التنوع الثقافي لعام 2005، والمبادرة الدولية لتحالف الحضارات لعام 2005.

ويرى المركز الوطني لحقوق الانسان أن حظر بناء المآذن يجسد حالة من حالات تشويه صور الأديان، ويمثل تعصبا وتمييزا غير مبررين ضد دور العبادة الإسلامية التي استهدفها بالمنع دون الديانات الاخرى، ويوفر مدخلا للتحريض على أعمال العنف وكره الأجانب، وهو ما يناهض قرار لجنة حقوق الانسان بالأمم المتحدة رقم 84 لسنة 2000 بشأن منع تشويه صورة الأديان والذي أكد على "أن جميع الدول قطعت على نفسها، بموجب ميثاق الأمم المتحدة، عهدا بتعزيز وتشجيع إحترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية للجميع ومراعاتها على النطاق العالمي، دون أي تمييز بسبب العرق أو الجنس أو اللغة أو الدين... وأن التمييز ضد بني البشر على أساس الدين أو المعتقد يشكل إهانة لكرامة الإنسان وتنكرا لمبادئ ميثاق الأمم المتحدة وانتهاكا لحقوق الإنسان" داعيا حكومات الدول لاتخاذ جميع التدابير المناسبة للوفاء بالتزاماتها الدولية في مواجهة التعصب والعنف المتصل به على أساس الدين أو المعتقد، بما في ذلك ممارسات التمييز الديني ضد المرأة، وتدنيس الأماكن الدينية.

ويشدد المركز الوطني لحقوق الانسان على أن الدولة السويسرية بإنفاذها نتائج هذا الاستفتاء تذكي الكراهية والتعصب، وتناهض ثقافة التسامح والتعايش، وتخالف تقاليد التنوع الثقافي والديني التي ارتكزت عليها بوصفها دولة محايدة تحرس القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الانساني، وتفاخر دوما بالسعى نحو إحلال السِّـلم بين الأديان المختلفة.

ويذكر المركز الوطني لحقوق الانسان بأن عماد الديمقراطية وحكم القانون احترام قيم حقوق الإنسان وحمايتها، وان الاستفتاء السويسري استوفى الاجراء الديمقراطي شكلا ولكنه لم يستوفي الشرط الجوهري للديمقراطية، إذ ان الديمقراطية تنطوي على نبذ الاستبداد والكراهية واحترام المعايير التي تنص عليها الصكوك الدولية الخاصة بحقوق الإنسان؛ وذلك لعدم منح الفرصة للاشكال المختلفة من الفاشية والنازية للعودة مرة اخرى. كما ان نتائج الاستفتاء تصور الديمقراطية على أنها آلية لانتقاص حقوق الإنسان، وهو ما يضر بصورة الديمقراطية في كثير من الدول غير الديموقراطية.

ويعيد المركز الوطني لحقوق الإنسان التأكيد على أن حرية المعتقد وممارسة الشعائر الدينية من الحقوق الأساسية التي لا يجوز إجراء استفتاء عليها، وان قرار الحظر لا يتعارض مع التزامات سويسرا المتعلقة بالقانون الدولي لحقوق الإنسان فقط، وانما يتناقض مع روح الدستور السويسري الذي كفل حرية العقيدة والعبادة لجميع المواطنين دون استثناء أو تمييز. كما يتناقض ايضا مع ما استقر في ضمير الانسانية من احترام لحرية المعتقد.

وينبه المركز الوطني لحقوق الانسان الى ان هذا الحظر قد يحفز دول اوروبية وغير اوروبية الى المبادرة في اتخاذ قرارات مماثلة للحد من الحرية الدينية لسكانها، واضطهاد الأقليات فيها وحرمانها من حقوقهم الدينية التي كفلها القانون الدولي لحقوق الانسان، ما يعرض السلم والأمن الدوليين للخطر كنتيجة لتعزيز ثقافة الإحباط والعدوانية والتعصب محل ثقافة السلام والانفتاح والقبول والتقدير للاخر.

ويطالب المركز الوطني لحقوق الانسان المنظمات الحقوقية الدولية، ومؤسسات المجتمع المدني في سويسرا والدول الأوروبية الأخرى، بتكثيف جهودها القانونية للكشف عن السلبيات والانتهاكات التي تنطوي عليها نتائج هذا الاستفتاء، وذلك من خلال اللجوء الى المحاكم المعنية بحقوق الانسان، وتحديدا المحكمة الاتحادية العليا لسويسرا والمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان واليات الامم المتحدة ذات العلاقة، من اجل ان الزام الحكومة السويسرية باحترام المواثيق الإنسانية التي وقعت عليها وتنفيذ تعهداتها إزاء شرعة حقوق الإنسان.

وجدير بالذكر ان اكبر احزاب البرلمان السويسري، حزب الشعب السويسري اليميني، تقدم بمقترح الاستفتاء بحجة منع أسلمة المجتمع، سيما وان الاسلام هو اكثر الديانات انتشارا بين السويسريين الذين يشكلون نحو 4.5% من السكان، وقد صوت أكثر من 57% لصالح المقترح الداعي إلى حظر بناء المآذن في 29 تشرين الثاني 2009، علما بأنه لا يوجد سوى اربعة مساجد ذات مآذن في سويسرا، وان كل طلبات بناء المآذن قوبلت بالرفض في السنوات الاخيرة.