بيان اعلامي بخصوص تأجيل النظر في تقرير بعثة الامم المتحدة لتقصي الحقائق بشأن قطاع غزة

ازاء التداعيات الحقوقية المترتبة على قرار تأجيل مجلس حقوق الانسان التابع للامم المتحدة التصويت على اعتماد تقرير بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق في نزاع قطاع غزة، بإشراف القاضي الجنوب أفريقي ريتشارد غولدستون، بشأن الانتهاكات الخارقة والجسيمة للقانون الدولي لحقوق الانسان والقانون الدولي الانساني التي ارتكبتها اسرائيل ضد السكان في قطاع غزة المحتل؛ فإن المركز الوطني لحقوق الانسان يعرب عن قلقه البالغ من تأجيل التصويت حتى شهر اذار 2010، كونه يشير إلى غياب الرغبة السياسية والقانونية في اتخاذ اية اجراءات ملحوظة فيما يتعلق بموضوع المسؤولية الجنائية عن خرق القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان في القطاع، ويعكس فشلا ذريعا لدور مجلس حقوق الانسان الدولي في احقاق العدالة لضحايا العدوان على سكان قطاع غزة، كما يفوت الفرصة في ملاحقة الجناة الاسرائيليين عما وقع من أفعال تدخل في اختصاص المحكمة الجنائية الدولية.

وإذ يرحب المركز الوطني لحقوق الانسان بالتقرير والتوصيات التي تضمنها؛ لكونه صادرا عن جهة دولية هدفت إلى البحث في طبيعة الانتهاكات وحجمها، لما احتواه من دلائل تشير الى ارتكاب اسرائيل لجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ومخالفات جسيمة لاتفاقيات جنيف الاربع لعام 1949، فانه يعتبر أحد أهم نقاط القوة التي جاءت في التقرير هي مطالبته بضرورة المساءلة والمحاسبة الجادتين للمتهمين الاسرائيليين بارتكاب هذه الجرائم.

ويعتبر المركز الوطني لحقوق الانسان ان قرار التأجيل يسهم في انكار حق الشعب الفلسطيني في الإنصاف القضائي ويمثل تنازلا عن حقوق الضحايا وتقويضا لسيادة القانون، ومبررا لاستمرار الانتهاكات بحق المدنيين الأبرياء، كما انه يفوت فرصة تطبيق المبدأ العالمي الذي استقر عليه العرف الدولي بخوص مناهضة الإفلات من العقاب، والذي ورد ذكره في المادة 15 من الاعلان العالمي لحقوق الانسان والمادة 9 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والمادة 13 من اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، وإعلان المبادئ الأساسية لتوفير العدالة لضحايا الجريمة وإساءة استعمال السلطة الذي اعتمد ونشر بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 40/ 34 المؤرخ في 29 تشرين الثاني 1985. الامر الذي يؤخر العدالة الى اشهر عديدة دون مبرر، ويضعف الردع كآلية فعالة للزجر من أجل إعمال سيادة القانون الدولي وحماية المصلحة العامة للمجتمع الدولي ومنع تكرار هذه الاعمال الاانسانية.

ويؤكد المركز على ان نتائج التحقيق التي أوردها القاضي ريتشارد غولدستون في تقريره بشأن الانتهاكات الجسمية للقانون الدولي لحقوق الانسان والقانون الدولي الانسان جاءت متوافقة مع ما اورده المركز في بياناته التى اصدرها في اطار قيادته للتحالف الوطني الاردني من اجل ملاحقة مرتكبي جرائم الحرب والإبادة الجماعية والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان بحق السكان المدنيين في قطاع غزه في 27/12/2008 و7/1/2008.

ويحث المركز جميع الهيئات المعنية في الأمم المتحدة، وبخاصة مجلس الأمن الدولي بوصفه الهيئة التي تملك حق إحالة نتائج التقرير إلى المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، على اتخاذ الإجراءات الحاسمة التي تكفل احترام مبدأ عدم افلات الجناة من العقاب ومبدأ إنصاف الضحايا بعيدا عن المعايير السياسية التي تضّيع الكرامة الانسانية، وتعطل العدالة الدولية وتبدد فرصة منع تكرار هذه الجرائم في النزاعات المحتمل وقوعها، وتضع دولة فريدة من نوعها خارج دائرة القانون الدولي والتزاماته. ويرى ان الإفلات من العقاب في ارتكاب جرائم الحرب والجرائم ضد الانسانية يؤدي الى غياب العدالة وتعزيز مناخ العنف في المنطقة، كما يشدد على ان حالة الإفلات من العقاب خلقت أزمة عدالة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ولا سيّما إن النظام القضائي الاسرائيلي لا يتفق مع المعايير الدولية المتعلقة بالتحقيق والملاحقة القضائية لانتهاكات القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني.

ويدعو المركز الدول العربية الى طلب عقد اجتماع استثنائي لمجلس حقوق الانسان الدولي لاعتماد نتائج تقرير غولدستون ومتابعته من قبل مجلس الأمن من اجل ملاحقة إسرائيل وقادتها سياسياً وقضائياً على جرائمها بحق الشعب الفلسطيني امام المحكمة الجنائية الدولية للتحقيق في جرائم الحرب والجرائم ضد الانسانية، ويناشد المؤسسات الأهلية والحقوقية العربية والدولية كافة للعمل سوياً على ضوء نتائج التقرير من أجل ملاحقة إسرائيل قضائياً على جرائمها، سواء تلك التي ارتكبتها أثناء عدوانها على غزة، أم باستمرار الاستيطان في الضفة الغربية وضم القدس وتهويدها، والذي يعد خرقا لكل القوانين الدولية.

وإذ يؤكد المركز الوطني لحقوق الانسان على مصداقية تقرير القاضي غولدستون ويرفض الاتهامات الموجه اليه بالتحيز ضد إسرائيل التي تعمل جاهدة لاحتواء تداعيات التقرير ومنع محاكمة ساستها وجنرالاتها الذين ارتكبوا سلسلة من الانتهاكات تصل الى مستوى جرائم الحرب والجرائم ضد الانسانية وفق القانون الدولي والقانون الدولي الانساني، وبشكل خاص اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، فانه يرى ان غولدستون قاض دولي يتمتع بمصداقية كبيرة، وخصوصا ان تاريخه المهني كقاض سابق بالمحكمتين العليا والدستورية في جنوب افريقيا وكمدعي عام في محاكم جرائم الحرب الأممية الخاصة برواندا ويوغوسلافيا، ما يشهد له بالاحترافية والموضوعية والنزاهة والاستقلالية.

واذ يستنكر المركز الضغوط الدولية الغربية التي دفعت الى تأجيل النظر في تقرير غولدستون بهدف حماية اسرائيل، فانه يرى ان هذه الحماية تشجيع اسرائيل على الاستمرار بما تقوم به من انتهاكات سافرة لحقوق الإنسان، وتسمح لها بالتمادي في خرق القوانين الدولية وبقائها خارج إطر المحاسبة والمساءلة.

وحري بالاشارة ان تقرير القاضي غولدستون انتهى الى ارتكاب إسرائيل لجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية عندما شنت قواتها المسلحة هجمات عشوائية على السكان المدنيين من اهل غزة لا تحقق أي غرض عسكري واستخدام الدروع البشرية، وذلك في إطار اعتمادها سياسة القتل العمد، التي تشكل انتهاكاً خطيراً للحق في الحياة، وكذلك تعمد أحداث معاناة جسيمة للأشخاص المحميين واستخدام اسلحة محرمة دوليا، فضلاً عن التدمير الممنهج والطائش للبنية التحتية المدنية، ومنع وصول الغذاء والدواء وغيره من الاحتياجات الإنسانية الأساسية للسكان المدنيين التي تندرج في اطار العقاب الجماعي في صورة استمرار الحصار لغاية الوقت الراهن الذي يدمر وسائل العيش الكريم لديهم.

وضمن هذا السياق، يلفت المركز الوطني لحقوق الانسان النظر الى ان الممارسات الاسرائيلية في مدينة القدس المحتلة التي تستهدف القدس والمقدسيين في وجودهم بكل مكوناته الحضارية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية؛ والتي تأتي في غمرة الهجمة المتطرفة للمستوطنين على المسجد الاقصى الشريف وتوسيع جدار الفصل العنصري العازل ليضم المستوطنات الإسرائيلية المتنامية في المدينة المحتلة، وعزل عدد من الأحياء ذات الكثافة السكانية العربية، واستمرار الحفريات التي تنطلق من ناحيتي الجدار الجنوبي والجدار الجنوبي الغربي للمسجد الأقصى التي باتت تهدد أبنيته بالسقوط، والمعاملة اللاإنسانية للمساجين وسلب التراث الثقافي والآثار، تشكل انتهاكا للحريات الدينية التي كفلتها المادة 18 من الاعلان العالمي لحقوق الانسان والمواد 2 و18 و20 و27 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، واعلان الأمم المتحدة لمحو جميع أشكال التعصب والتمييز بسبب اختلاف الدين أو المعتقد الذي تمّ تبنيه عام 1981، بوصفه وثيقة أساسية لحماية الحقوق الدينية، وللوثيقة الختامية لمؤتمر فيينا عام 1989، وتعزز كل من هذه الوثائق حرية المعتقد والعبادة. كما انه يتناقض مع 19 قرارا دوليا يعتبر القدس أرضاً محتلة ينطبق عليها مبادئ القانون الإنساني الدولي وخاصة أحكام اتفاقية جنيف الرابعة للعام 1949 المتعلقة بضمان حماية المدنيين والمنشأت المدنية والدينية والأثرية وقت الحرب وتحت الاحتلال.