بيان اعلامي صادر عن المركز الوطني لحقوق الانسان حول تقرير الحريات الدينية الذي اعدته وزارة الخارجية الامريكية بتاريخ 26/10/2009

بالاستناد الى نص المادتين (5) و(7) من قانون المركز الوطني لحقوق الانسان التي تخوله الولاية العامة للتحقق من مراعاة حقوق الانسان والحريات العامة في المملكة؛ بهدف معالجة أي تجاوزات او انتهاكات لها، ومتابعة اتخاذ الاجراءات اللازمة لهذه الغاية بما في ذلك تسويتها او احالتها الى السلطة التنفيذية او التشريعية او المرجع القضائي المختص لايقافها وازالة اثارها، اطلع المركز الوطني لحقوق الانسان على تقرير الحريات الدينية الذي صدر مؤخرا عن مكتب الديمقراطية وحقوق الإنسان والعمل التابع لوزارة الخارجية الأمريكية، وخصوصا تلك الجزئية من التقرير المتعلقة باوضاع الحريات الدينية في المملكة، والتي اوردت حيثيات عامة تمس حقوق الانسان.

وينوه المركز الوطني لحقوق الانسان على ان التقرير المذكور رغم اشادته بالجهود المبذولة من قبل المملكة من أجل تشجيع قيم التسامح والاحترام والحوار المتبادل بين الأديان، وهو ما يشكل خطوة متقدمة نسبياً مقارنة مع التقرير الصادر خلال العام الماضي والذي انتقده المركز بشدة للمغالطات الواردة فيه.

ويشير المركز الى ان منهجية التقرير لا تزال تستند إلى المعايير والقيم الأمريكية، وقيم المجتمعات الغربية عموماً، في تقرير واقع الحريات الدينية في الدول المختلفة، وتتجاهل المعايير الدولية للحريات الدينية التي هي محصلة الاجماع بين الامم من مختلف الحضارات والثقافات بوصفها تمثل الحد الادنى لمبادئ حقوق الانسان، كما ان التقرير لا يزال يخلط بين ما يمكن اعادته الى سياسات رسمية وما يعد نتاج تراكمات ثقافية واجتماعية، كما ان معدي التقرير لا يأخذون بعين الاعتبار الخصوصية الثقافية والفروق الحضارية، بالاضافة الى وجود التباس في تحديد مفاهيم الحرية الدينية التي يعتمدها التقرير، حيث ربطها دائما بالأقليات التي قد تكون لغوية أو إثنية وليست بالضرورة دينية، ناهيك عن معايير الانتقائية والتسييس التي ينتهجها التقرير في التعامل مع الدول، وليس أدل على ذلك من عدم التعرض للممارسات الاسرائيلية التي تقوم على التمييز الديني بحق ابناء الشعب الفلسطينيي من المسلمين والمسيحيين ومنعهم من إقامة شعائرهم الدينية، كما تجاهل التقرير أن إسرائيل دائمة التأكيد على الطبيعة اليهودية للدولة وتحظر عمل بعثات التبشير المسيحية فيها.

وإذ يرى المركز الوطني لحقوق الانسان ان مكتب الديمقراطية وحقوق الإنسان والعمل في وزارة الخارجية الأمريكية والتقارير الصادرة عنه تسير على نفس النهج الأمريكي في توظيف التقارير بوصفها اداة سياسية للترغيب او الضغط في سبيل حماية المصالح الاقتصادية والاستراتجية، فانه يؤكد على ان هذه الجهات غير مخولة باصدار تقارير تقيّم حالة حقوق الإنسان في البلدان المختلفة؛ كونها جهة غير مستقلة ومحايدة. ويحث المركز الوطني لحقوق الانسان معدي التقرير على تطبيق المعايير الدولية لحقوق الانسان ومطالبة الولايات المتحدة بالانضمام الى الاتفاقيات الدولية لحقوق الانسان، وخصوصا الاتفاقية الدولية لمناهضة كافة أشكال التمييز ضد المرأة والاتفاقية الدولية لحقوق الطفل والنظام الاساسي للمحكمة الجنائية الدولية، والاقلاع عن توقيع اتفاقيات ثنائية للحيلولة دون مثول الامريكيين أمام المحاكم الدولية.

وإذ يشدد المركز الوطني لحقوق الانسان على ان الدولة الاردنية كفلت الحريات الدينية لمواطنيها من اتباع جميع المذاهب دون تحيز أو تمييز منذ نشأتها؛ حيث أكد الدستور في المادة (14) على ان الدولة تحمي حرية القيام بشعائر الأديان والعقائد طبقا للعادات المرعية في المملكة ما لم تكن مخلة بالنظام العام أو منافية للآداب، واقرت المادة (6) بان الأردنيين أمام القانون سواء لا تمييز بينهم في الحقوق والواجبات وإن اختلفوا في العرق أو اللغة أو الدين، كما اعترفت المادة (19) بحق الجماعات في تأسيس مدارسها والقيام عليها لتعليم أفرادها على أن تراعي الأحكام العامة المنصوص عليها في القانون وتخضع لرقابة الحكومة في برامجها وتوجيهها، فانه يرى ان هذه المواد الدستورية تتواءم مع الاتفاقيات الدولية لحقوق الانسان وخصوصا أحكام المادتين (18 و 26) من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية الذي نشر في الجريدة الرسمية بتاريخ 15 حزيران 2006، حيث يشير نص المادة (18) من العهد الى أن لكل فرد الحق في حرية الفكر والضمير والدين بما في ذلك حرية الانتماء الى دين أو معتقد، وحرية التعبير عن دينه ومعتقده في العبادة والممارسة والتعليم بشكل علني، واحترام حرية الآباء أو الأوصياء عند وجودهم في تأمين تربية أولادهم دينيا وخلقيا وفقا لقناعاتهم الخاصة، ولكن نص المادة اخضع حرية الإنسان في إظهار دينه أو معتقده والتعبير عنه للقيود التي يفرضها القانون والتي تكون ضرورية لحماية السلامة العامة أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة أو حقوق الآخرين وحرياتهم الأساسية شريطة ان تكون مشروعة الهدف وضرورية للحفاظ على المؤسسات الديمقراطية.

ويشير المركز الوطني الى ان المادة (18) من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية جعلت مناط تقييم الحريات الدينية وممارستها في حجم التأثير على النظام الاخلاقي والاجتماعي والسياسي الذي يتمتع بالشرعية الدستورية، اي ربطتها برضا الناس وقناعتهم الذاتية بوصف هذا النوع من الحريات ذات تأثير مزدوج على الافراد والصالح العام.

ويوضح ايضا بالمادة (18) ذاتها قد صيغت بصورة توافقية بين الدول التي تنتمي الى انظمة ثقافية وحضارية كبرى، حيث حرصت على حذف عبارة "تغيير الدين او العقيدة" الواردة في نص المادة (18) من الاعلان العالمي لحقوق الانسان رغبة منها في تجنب المشاكل المترتبة عن تغيير مراكز الافراد القانونية وخاصة في الاحوال الشخصية، وبما يضمن حماية كيان المجتمع من الصراعات الداخلية، واقرار مبدأ النسبية الثقافية الذي يقوم على احترام الخصوصيات المحلية وبما يؤدي الى تطبيق مختلف لبعض الحقوق من دولة لاخرى، وهو ما يستتبع اختلاف التشريعات الوطنية في تطبيق الحقوق المعترف بها بموجب اتفاقيات حقوق الانسان.

ويرفض المركز الوطني لحقوق الانسان الاشارات التي تضمنها التقرير حول معاناة جزء من الأردنيين من الاضطهاد الطائفي، وخصوصا أن المجتمع الاردني يقوم على سيادة القانون واستقلالية القضاء الذي يفصل في الدعاوي بتجرد كامل، وأن أساس تمتع المواطنين بحقوقهم هو مواطنتهم بصرف النظر عن ديانتهم أو عرقهم أو نوعهم.

كما ان منطق العنف والاكراه كوسيلة لفرض تعبير محدد في النفوس لا يقره التصور الإسلامي الذي يحض على الاقتناع الفكري والقبول العقلي للممارسة الدينية ايا كانت، وهو ما تشهد به التجربة التاريخية التي كان لها قصب السبق في اقرار الحريات الدينية ومبدأ التعايش بينها.

وان المسيحيين يتمتعون بالحقوق والواجبات نفسها مع اشقائهم المواطنيين المسلمين، كما انهم انخرطوا مبكرا في بناء الدولة المستقلة، ومارسوا حقهم في التصويت وتقلد المناصب العامة كأحد الحقوق السياسية التي يكفلها الدستور وحددها القانون بجلاء ووضوح.

وينبه المركز الوطني لحقوق الانسان بأن الطريقة التي تتعامل بها الولايات المتحدة الامريكية في موضوع الحريات الدينية، قد يعزز من إمكانية انهيار المجتمعات في حالة العجز عن تحقيق نوع من الموازاة بين احترام حرية الأديان وتعزيز الحوار والتسامح وبين احترام خصوصية المجتمع في الحفاظ على كيان موحد منسجم ذي هوية واضحة، وهو ما يعزز ثقافة التطرف ويهدد سيادة الدول ويشجّع على الاضطراب فيها اذا ما استفز الشعور الديني للجماعة بتفجير الخريطة المذهبية باسم الحريات الدينية وحقوق الأقليات. ويدعو المركز الوطني لحقوق الانسان الى تقييم مجال الحريات الدينية ضمن اجتهاد حضاري، وخصوصا في فضاء العلماء والمفكرين والمثقفين الملتزمين بمقومات الانتماء الحضاري للهوية بدلالتها المنفتحة، وبلورة رؤيا مشتركة قادرة على الإجابة على التحديات المطروحة.

وحري بالاشارة ان وزارة الخارجية الأمريكية شرعت في إنجاز تقرير سنوي حول واقع الحريات الدينية في مختلف بقاع العالم منذ عام 1999 بموجب قانون الحريات الدينية الذي اقره الكونغرس، وهو القانون الذي تقدم به النائب‏ الجمهوري‏ فرانك وولف في ‏9‏ ايلول ‏1997‏ وتم إقراره في عهد الرئيس بيل كلينتون في ‏27‏ تشرين اول ‏1998‏ ليوجب على كل رئيس أمريكي أن يضع في اعتباره القضايا الدينية في سياساته الخارجية، وليجعل من قضايا الحريات الدينية احد المؤثرات لعمل وزارة الخارجية الأمريكية.‏