مطالعة قانونية متخصصة حول قانون منع الإرهاب في ظل المعايير الدولية لمكافحة الإرهاب

 مطالعة قانونية متخصصة حول

قانون منع الإرهاب رقم (55) لسنة 2006م وتعديلاته

في ظل المعايير الدولية لحقوق الإنسان ومكافحة الإرهاب


مطالعة قانونية متخصصة حول

قانون منع الإرهاب في ظل المعايير الدولية لمكافحة الإرهاب

تمهيد

يعد قانون منع الإرهاب رقم (55) لسنة 2006 وتعديلاته من أكثر القوانين إثارة للجدل على الساحة الأردنية. وفي الوقت الذي تتفق فيه الأطراف كافة على أن جريمة الإرهاب أمست مثار قلق للمجتمع الدولي والداخلي نظرا الى خطورتها وقيامها بشكل أساسي على فكرة الترويع والانتقاص من أمن الأفراد والمجتمع لتحقيق غايات غير مشروعة، إلا أن أطرافا كثيرة ترى في الوقت ذاته أن قانون منع الإرهاب الأردني قد قصر عن الموازنة بين الأمن الوطني ومكافحة الإرهاب وبين حقوق الإنسان وحرياته وخاصة الحق في محاكمة عادلة، وضمان حرية الرأي والتعبير.

وانطلاقا من رؤية المركز وولايته العامة المستندة الى قانونه رقم ( 51) لسنة 2006 والتي يضطلع بموجبها بمهمة مراجعة التشريعات الوطنية بالاستناد الى المعايير الدولية لحقوق الإنسان، تأتي هذه المطالعة لدراسة قانون منع الإرهاب وبيان مدى انسجامه مع الدستور الأردني والمعايير الدولية بغية تقديم المشورة للأجهزة المعنية في الدولة وعلى رأسها السلطة التشريعية في هذا الخصوص.

ولهذه الغاية تنطلق هذه المطالعة القانونية من التذكير بالمادة(128/1)من الدستور الأردني والتي أرست قاعدة جوهرية تتمثل في عدم جواز أن تؤثر القوانين التي تصدر بموجب الدستور لتنظيم الحقوق والحريات على جوهر هذه الحقوق أو تمس أساسياتها. كما تنطلق هذه المطالعة أيضا من المعايير الدولية لحقوق الإنسان لا سيما تلك القرارات الصادرة عن الجمعية العامة وعن هيئات وآليات دولية أخرى متعلقة بجريمة الإرهاب وبيان أبرز الصكوك الدولية الناظمة لهذا الأمر، بما في ذلك الإشارة الى تقارير المقرر الخاص المعني بإحترام حقوق الإنسان في سياق مكافحة الإرهاب، ومن ثم سيتم مقاربة هذه المعايير مع قانون منع الإرهاب الأردني لبيان مواطن الخلل، كما سيتم بيان مدى مخالفة هذا القانون للأصول العامة المتفق عليها في قانون العقوبات وقانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني.

أولا: الدستور الأردني

يعد الدستور الحامي الأول للحقوق والحريات، وانطلاقا من الرؤية العامة التي يضعها تنطلق القوانين منظمة للحق لا مقيدة له لتقيم توازنا بين حقوق الافراد ومصلحة الجماعة. وفي هذا الاطار كفل الدستور الاردني في المادة السابعة الحرية الشخصية، واعتبر ان كل اعتداء على الحقوق والحريات العامة جريمة يعاقب عليها القانون. وفي المادة الثامنه منه أكد على عدم جواز أن يقبض على أحد أو يوقف أو يحبس أو تقيد حريته إلا وفق أحكام القانون. وان كل من يقبض عليه أو يوقف أو يحبس أو تقيد حريته تجب معاملته بما يحفظ عليه كرامة الإنسان, ولا يجوز تعذيبه, بأي شكل من الأشكال, أو إيذاؤه بدنياً أو معنوياً, كما لا يجوز حجزه في غير الأماكن التي تجيزها القوانين, وكل قول يصدر عن أي شخص تحت وطأة أي تعذيب أو إيذاء أو تهديد لا يعتد به.

وكفل الدستور ايضا حق التقاضي بصفته خط الدفاع الاول عن حقوق الافراد وحرياتهم والاحكام الصادرة عن القضاء تعتبر عنوانا للحقيقة. لذا اكدت المادة (101) من الدستور على أنالمحاكم مفتوحة للجميع ومصونة من التدخل في شؤونها. كما نص على أنه لا يجوز محاكمة أي شخص مدني في قضية جزائية لا يكون جميع قضاتها مدنيين، ويستثنى من ذلك جرائم الخيانة والتجسس والإرهاب وجرائم المخدرات وتزييف العملة. مؤكدا على مبدأ جوهري وهو ان المتهم بريء حتى تثبت إدانته بحكم قطعي.

وأخيرا جاءت المادة(128) من الدستور لتضع قاعدة عامة للسلطة التشريعية في ارتكابها ما يسمى بالانحراف التشريعي وخروجها عن حيادها ووضع تشريعات لا تعكس روح الدستور، وهذه القاعدة هي عدم جواز أن تؤثر القوانين التي تصدر بموجب الدستور لتنظيم الحقوق والحريات على جوهر هذه الحقوق أو تمس أساسياتها.

ثانيا: المعايير الدولية المتعلقة بمكافحة الإرهاب

أولا: تم اقرار العديد من الاتفاقيات وكذلك إصدار العديد من القرارات المتعلقة بمكافحة الارهاب، إلا أنه بالرغم من كثرة الادبيات المتعلقة بالإرهاب فلم يتم التوصل بعد الى مفهوم محدد له. وتعد اتفاقية جنيف لقمع ومعاقبة الارهاب لعام 1937 من أوائل الاتفاقيات التي أبرمت لمكافحة هذه الجريمة ؛وقد عرفت الاتفاقية الارهاب على انه:

"الأعمال الإجرامية الموجهة ضد دولة ما وتستهدف، أو يقصد بها، خلق حاله من الرعب في أذهان أشخاص معينين، أو مجموعة من الأشخاص، أو عامة الجمهور".

ثانيا: صدرت لاحقا عدة اتفاقيات خاصة بأشكال محددة من الارهاب[1]، وتعد اتفاقية قمع تمويل الارهاب لعام 1999 احدى هذه الاتفاقيات الهامة التي أكدت على ضرورة مكافحة تمويل الارهاب واعتبرت هذه الاتفاقية انه :

"يرتكب جريمة بمفهوم هذه الاتفاقية كل شخص يقوم بأية وسيلة كانت، مباشرة أو غير مباشرة، وبشكل غير مشروع وبإرادته بتقديم أو جمع أموال بنية استخدامها أو وهو يعلم أنها ستستخدم كليا أو جزئيا، للقيام:

(أ) بعمل يشكل جريمة في نطاق إحدى المعاهدات الواردة في المرفق وبالتعريف المحدد في هذه المعاهدات؛

(ب) بأي عمل آخر يهدف إلى التسبب في موت شخص مدني أو أي شخص آخر، أو إصابته بجروح بدنية جسيمة، عندما يكون هذا الشخص غير مشترك في أعمال عدائية في حالة نشوب نزاع مسلح، عندما يكون غرض هذا العمل، بحكم طبيعته أو في سياقه، موجها لترويع السكان، أو لإرغام حكومة أو منظمة دولية على القيام بأي عمل أو الامتناع عن القيام به"[2].

ثالثا: من المعاهدات المتخصصة التي عرفت الارهاب اتفاقية مكافحة العمليات الارهابية بوساطة المتفجرات بتاريخ 1997، والتي نصت على انه : "يرتكب جريمة كل شخص يقوم عمدا وبصورة غير مشروعة على تسليم او وضع او تفجير قذيفة قاتلة في مكان عام او إدارة رسمية او منشآت عامة او وسيلة نقل او بنية تحتية بقصد التسبب بوفاة أشخاص او أضرار مادية بالغة الخطورة لإيقاع التخريب والحاق خسائر اقتصادية جسيمة سواء من ناحية الارتكاب او محاولة الارتكاب او الاشتراك او التدخل ".

اما على الصعيد الاقليمي فقد عرفت معاهدة منظمة المؤتمر الاسلامي لمكافحة الارهاب الدولي على انه :

"كل فعل من أفعال العنف أو التهديد به أياً كانت بواعثه أو أغراضه، يقع تنفيذاً لمشروع إجرامي فردي أو جماعي ويهدف إلى إلقاء الرعب بين الناس أو ترويعهم بإيذائهم أو تعريض حياتهم أو أعراضهم أو حريتهم أو أمنهم أو حقوقهم للخطر أو إلحاق الضرر بالبيئة أو بأحد المرافق أو الأملاك العامة أو الخاصة أو احتلالها أو الاستيلاء عليها أو تعريض أحد الموارد الوطنية أو المرافق الدولية للخطر، أو تهديد الاستقرار أو السلامة الإقليمية أو الوحدة السياسية أو سيادة الدول المستقلة".

أما الجريمة الارهابية فقد عرفتها هذه المعاهدة على أنها :
" أي جريمة أو شروع أو اشتراك فيها، ترتكب تنفيذاً لغرض إرهابي في أي من الدول الأطراف أو ضد رعاياها أو ممتلكاتها أو مصالحها أو المرافق والرعايا الأجانب الموجودين على إقليمها مما يعاقب عليها قانونها الداخلي".(المادة 1).

رابعا: في عام 2005 ولما لمسته الأمم المتحدة من انتهاك واسع لحقوق الإنسان بإسم مكافحة الإرهاب في ظل غياب النصوص القانونية محددة الدلالة ودقيقة الصياغة في دول العالم، وبسبب الاخلال بمبدأ التوازن بين الامن الوطني وحماية حقوق الانسان من قبل الدول، فقد تم استحداث منصب المقرر الخاص المعني بحماية "حقوق الانسان في سياق مكافحة الارهاب" ، والذي اكد على انه في ظل غياب تعريف شامل وموجز للإرهاب، متفق عليه عالميا ، يجب أن تنحصر قوانين وسياسات مكافحة الإرهاب في مكافحة الجرائم التي تعكس خصائص السلوك الذي ينبغي قمعه في إطار مكافحة الإرهاب الدولي مع الالتزام في الوقت ذاته بضمانات المحاكمة العادلة وعدم الاحتجاز التعسفي وتوفير نظام عدالة فعال .

وفي تقريره المقدم الى الجمعية العام عام 2012 وضع المقرر الخاص تعريف للإرهاب في ضوء الممارسات الفضلى للدول ،على النحو الاتي:

"الإرهاب عمل أو محاولة للقيام بعمل، حيث أن:

١- العمل:

أ.يتمثل في احتجاز متعمد للرهائن؛ أو

ب. يهدف إلى التسبب في وفاة أو في إصابات بدنية خطيرة لواحد أو أكثر من عامة السكان أو من شرائح منهم؛ أو

ج.ينطوي على عنف جسدي مميت أو خطير ضد واحد أو أكثر من عامة السكان أو من شرائح منهم.

٢- يُنفذ العمل أو تجري محاولة تنفيذه ﺑﻬدف:

أ. إثارة حالة من الرعب بين عامة الناس أو جزء منهم؛ أو

ب. إرغام حكومة أو منظمة دولية على القيام بفعل ما أو الامتناع عن فعل ما؛ و

٣. يتوافق العمل مع:

أ.تعريف الجريمة الخطيرة في القانون الوطني، الذي سُن لغرض الامتثال للاتفاقيات والبروتوكولات الدولية ذات الصلة بالإرهاب أو لقرارات مجلس الأمن المتعلقة بالإرهاب، أو

ب.جميع عناصر الجريمة الخطيرة كما حددها القانون الوطني.

كما وضع المقرر الخاص نموذجا قانونيا مستمدا من الممارسات الفضلى للدول من حيث تعريف جريمة التحريض على الارهاب ؛إذ اشار الى انه تعتبر جريمة ،توزيع أي رسالة الى الجمهور بشكل متعمد وغير قانوني او توجيه أي رسالة للجمهور بأي طريقة بقصد التحريض على أرتكاب جريمة إرهابية ،حيث يتسبب هذا السلوك سواء دعا بطريقة صريحة او غير صريحة الى ارتكاب جرائم ارهابية ، في نشوء خطر ارتكاب جريمة او اكثر .

وقد اشار المقرر الخاص في معرض تقريره الى ان جريمة التحريض على الارهاب يجب:

1.ان لا تفضي الى تقييد حرية التعبير الا بما هو ضروري لحماية الامن الوطني او النظام العام.

2.ان تكون محددة بلغة دقيقة مع تجنب أي تعابير مثل "تمجيد" او "تشجيع" الارهاب .

3.ان تنطوي على خطر موضوعي فعلي بإرتكاب العمل الذي تم التحريض عليه .

4.ان يشير نصها صراحة الى عنصرين من عناصر القصد هما قصد ايصال رسالة وقصد التحريض على ارتكاب عمل ارهابي .

خامسا: تعد استراتيجية الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب لعام 2006 من الوثائق الهامة التي أكدت على ضرورة مكافحة الارهاب ،وقد أكدت الاستراتيجية على ضرورة تنسيق الجهود المبذولة على الصعيدين الدولي والاقليمي لمكافحة الارهاب بجميع اشكاله ومظاهره على الانترنت .

وقد أفردت الاستراتيجية بندا خاصا للتدابير الرامية إلى ضمان احترام حقوق الإنسان للجميع وسيادة القانون بوصفه الركيزة الاساسية لمكافحة الارهاب. وأكدت الإستراتيجية على أن إتخاذ تدابير لمكافحة الإرهاب وحماية حقوق الإنسان هدفان لا يتعارضان، وعلى ضرورة التزام الدول أثناء مكافحتها للإرهاب بالإلتزامات المفروضة عليها بموجب القانون الدولي، وعدم إدخار أي جهد لإنشاء نظام وطني للعدالة الجنائية يتسم بالفعالية ويقوم على سيادة القانون .

ويبدو أن إحترام حقوق الانسان في اطار مكافحة الارهاب كان مصدر قلق للأمم المتحدة، لذا عبرت هذه الهيئة الأهم عن قلقها من خلال إصدار عدة قرارات للتأكيد على هذا الأمر كان أبرزها القرار رقم 60/158 المؤرخ 16 كانون الاول 2005 تحت اسم "حماية حقوق الانسان والحريات الاساسية في سياق مكافحة الارهاب " ، والذي حث الدول على أن تصاغ قوانينها التي تجرم السلوك الإرهابي و/أو الأنشطة الإرهابية بدقة وبشكل غير تمييزي وغير رجعي الأثر، وفقاً للقانون الدولي بما في ذلك قانون حقوق الإنسان .وأن تتحلى الدول في مكافحتها للإرهاب بالوفاء التّام بالتزاماتها فيما يخص التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، وأن تحظر التعذيب حظراً مطلقاً. واحترام الكرامة الانسانية وتوفير ضمانات المحاكمة العادلة للجميع .وكذلك التمسك بالممارسات الديمقراطية وسيادة القانون في سياق مكافحة الإرهاب

ويلاحظ ان التعاريف الواردة للإرهاب في الاتفاقيات الدولية تتسم بكونها :

-تعاريف فضفاضة وتفتقد للضابط والمعيار الواضح لما يعد فعلا ارهابيا من عدمه . وهذه الاشكالية تنبع اساسا من عدم وجود اتفاق دولي واضح حول مفهوم وطبيعة الإرهاب وبالتالي تعذر وجود تعريف واحد متفق عليه للإرهاب سواء على المستوى الداخلي او الدولي وحتى على المستوى الفقهي ايضا. الا ان التعريف الذي جاءت به معاهدة منظمة المؤتمر الاسلامي لمكافحة الارهاب الدولي كان التعريف الاكثر اتساعا من التعاريف الواردة في الاتفاقيات الاخرى ويفتح الباب واسعا امام وضع العديد من الافعال في سياق الارهاب . ولو تمعن المرء في هذا الوضع لأمكن ملاحظة ما يلي:

-إتفقت التعاريف أعلاه على الغاية من جريمة الارهاب وهي الترويع وبث الرعب في نفوس السكان او إرغام الحكومات على القيام او الامتناع عن عمل ما.

-باستقراء التعاريف السابقة الذكر نجد بأنها لم تدرج ضمن مفهوم جريمة الارهاب الافعال ذات العلاقة بتعكير صفو العلاقات مع دولة اجنبية او القيام بأعمال من شأنها تعريض الدولة وأفرادها لخطر أعمال عدائية او تقويض نظام الحكم ، كما انها لم تنص على ان القيام بأعمال بهدف تعطيل الدستور او القوانين او الانظمة تعد اعمالا ارهابية ، ولم تتضمن الاشارة مفاهيم مثل الترويج او التسويق للجماعات الارهابية .(كما هو معمول به في قانون منع الارهاب الأردني) .

فيما يتعلق بالتصور الذي وضعه المقرر الخاص لتعريف الإرهاب بالرجوع الى الممارسات الدولية الفضلى ،نلاحظ انه شدد على أن تكون الصياغة القانونية دقيقة للركن المادي المشكل للفعل الإرهابي . كما اكد على ضرورة عدم استخدام مصطلحات فضفاضة مثل "تمجيد او تشجيع جماعة ارهابية" ، وهو المصطلح الذي يمكن اعتباره مصطلحا مرادفا "لترويج جماعة ارهابية " والمستخدم في القانون الاردني .مع التأكيد على ان طبيعة الفعل المشكل للعمل الارهابي حسب المقرر الخاص لا يتضمن الاشارة الى القيام بأعمال من شانها تعكير صفو العلاقات او القيام بأعمال او خطابات او نشر كتابات بهدف تقويض او التحريض على تقويض نظام الحكم او تعطيل الدستور او الانظمة.

ثالثا: قانون منع الإرهاب رقم (55) لسنة2006 وتعديلاته في ظل المعايير الدولية ذات العلاقة بجريمة الإرهاب

اتبعت العديد من الدول سياسة متشددة في مكافحة الارهاب ووضعت من القوانين المجرمة لهذه الجريمة نظرا لخطورتها وتأثيرها على المجتمع ككل، إلا أن الدول في اطار مكافحتها للإرهاب اتبعت سياسات جنائية مختلفة؛ فمنها من اتبع سياسة تشريعية جنائية متشددة إلا أن هذه السياسة لم تخرج عن الأطر العامة في التشريع الجنائي؛ أي أنها التزمت بمبدأ الشرعية فلا عقوبة ولا جريمة إلا بنص قانوني صريح ودقيق، كما التزمت بأصول الصياغة التشريعية القائمة على الدقة والوضوح والبعد عن النصوص التي تحتمل التأويل والتفسير، كما انها التزمت بالقواعد الاجرائية العامة وان كانت قد تشددت او توسعت في بعض المسائل خاصة .

أما البعض الآخر من الدول فقد انتهجت ايضا سياسة تشريعية متشددة في سياق مكافحة الارهاب أيضا، إلا أن هذه السياسة المتشددة اتسمت بالخروج عن المبادئ العامة في الأصول الجنائية، خاصة ما يتعلق بمبدأ الشرعية وصياغة النصوص القانونية؛ فانتهجت مسلكا يقوم على عدم وضوح ودقة النصوص المجرمة والمشكلة للأفعال الارهابية؛ الأمر الذي أدى الى فتح باب التفسير والاجتهاد في تحديد ما يشكل فعلا ارهابيا من عدمه. كما خرجت هذه التشريعات عن القواعد العامة خاصة ما تعلق منها بالاشتراك الجرمي والشروع واتبعت هذه التشريعات أصولا اجرائية خاصة أدت الى انتهاك حقوق الافراد وحرياتهم تحت باب مكافحة الارهاب . وهذا هو المسلك الذي إتبعه المشرع الأردني مما أدى إلى الإشكاليات التي ينطوي عليها القانون في الجوانب الموضوعية او الاجرائية على حد سواء :

أولا: نطاق التجريم

- تعريف الارهاب[3] ،استخدم المشرع في تعريفه للإرهاب نصا يتسم بالتعقيد والبعد عن الايجاز والوضوح . كما استخدم المشرع عددا من المصطلحات المترادفة والتي تتسم ايضا بالعمومية والاتساع وهو الامر الذي يخالف أصول الصياغة التشريعية.

وعلى غير صعيد تضمن تعريف الارهاب عبارة: "...القيام بعمل يهدف الى تعطيل الدستور او القوانين او الانظمة " واعتبر ذلك من قبيل الافعال الارهابية؛ وهو الأمر الذي لا يوجد له مثيل او إشارة في الإتفاقيات الدولية التي تطرقت الى هذه الجريمة. وكذلك الأمر في تعريف المقرر الخاص الذي جاء في في تقريره الذي أورد أمثلةر على الممارسات الفضلى في تعريف الإرهاب مشيرا الى أن جريمة الارهاب من حيث الهدف يجري تنفيذها بهدف اثارة الرعب بين عامة الناس او جزء منهم او ارغام حكومة او منظمة دولية على القيام بفعل او الامتناع عن فعل، ولم يتطرق الى أن تعطيل الدستور او القوانين يعد عملا إرهابيا[4].

ثانيا: الافعال المجرمة في القانون

1.لجأ المشرع وبعد تعريفه لمفهوم الإرهاب الى تحديد الجرائم التي تعد في حكم الجرائم الارهابية[5]. وحيث أن الركن الشرعي يحدد النموذج القانوني للجريمة، فإن هذا النموذج وحسب الاصول العامة للصياغة التشريعية لا بد وان يكون واضح العناصر على نحو يضمن التحديد الدقيق لأركانه ليتمكن الفرد من ضبط سلوكه وفقا له، احتراما لمبدأ الشرعية؛ فلا جريمة ولا عقوبة إلا بنص واحتراما لمبدأ العلم بالقانون. ومما يؤخذ على قانون منع الإرهاب وتحديدا المادة الثالثة منه إتساع المدلول الجرمي للأفعال الواردة وامكانية تطويع النصوص القانونية وفقا للفعل المرتكب .

2.تعد المادة (3/ه) من اكثر البنود اتساعا من حيث المدلول الجرمي وإمكانية تحديد السلوك الجرمي المشكل للركن المادي المؤدي الى قيام الجريمة. وتعد هذه المادة ايضا من المواد التي تتقاطع بشكل كبير مع حرية التعبير ويصعب في كثير من الاحيان تحديد الفاصل والضابط بينهما؛ إذ يقوم الركن الشرعي في هذه الجريمة على تجريم استخدام نظام المعلومات او الشبكة المعلوماتية او أية وسيلة نشر او اعلام او انشاء موقع الكتروني لتسهيل القيام بأعمال إرهابية او دعم لجماعة او تنظيم او جمعية تقوم بأعمال ارهابية او الترويج لأفكارها او تمويلها او القيام بأي عمل من شأنه تعريض الاردنيين او ممتلكاتهم لخطر اعمال عدائية او انتقامية[6] .

ومما يؤخذ على هذا النص طول العبارة التشريعية وعدم ضبطها وعدم ايجازها ووضوحها وسعة مدلولاتها .واستخدام مصطلحات تؤدي الى القياس في عملية التجريم .

ووفقا للنص القانوني القائم فان مدلول الترويج[7] ينقصه الوضوح ليشكل ركنا ماديا وفعلا ارهابيا بالنتيجة ؛ فما هو الترويج ؟ هل يعني إذاعة الأخبار ام تداول الفيديوهات والمقاطع الصوتية ام النقاش والتأييد لأفكار هذه الفئة ...ام أنه يرقى الى مرتبة أعلى من ذلك ليشكل فعلا على درجة من الجسامة في المدلول والعقوبة في آن واحد . وكذلك هو الحال في استخدام مصطلح "دعمجماعة ارهابية [8] " ، فما هي الافعال التي تؤلف "دعما "وتؤدي بالنتيجة الى قيام الركن المادي المشكل للجريمة . والسؤال الذي يطرح وبشدة هل ان مجرد الترويج لأفكار جماعة ارهابية يستوجب اعتباره عملا ارهابيا بالمفهوم الوارد في القانون ؟

ان النتيجة المترتبة على هذا التوسع في الدلالات والمصطلحات يؤدي بالضرورة الى اتساع سلطة القضاء في التفسير والقياس والتأويل وفتح باب الاجتهاد واسعا لتكييف الافعال وفقا للنصوص وذلك خلافا لما هو مستقر عليه في السياسية التشريعية الجزائية.

3. جريمة تعكير صفو العلاقات مع دولة أجنبية

نصت المادة (3/ب) على أن القيام بأعمال من شأنها أن تعرض المملكة لخطر أعمال عدائية أو تعكر صلاتها بدولة أجنبية أو تعرض الأردنيين لخطر أعمال ثأرية تقع عليهم أو على أموالهم تعكر صفو العلاقات مع دولة أجنبية وتعريض الاردنيين لخطر أعمال ثأرية، تعد من الجرائم التي تعد في حكم الجرائم الإرهابية، ومما يؤخذ على هذا النص:

1.ازدواجية التجريم بين القوانين ؛ إذ أدرج المشرع في الجرائم التي تعد في حكم الأعمال الارهابية القيام بأعمال من شأنها ان تعرض المملكة لخطر اعمال عدائية او تعكر صلاتها بدولة اجنبية او تعرض الاردنيين لخطر اعمال ثأرية تقع عليهم او على اموالهم . في الوقت الذي ادرج قانون العقوبات هذه الجريمة -في الباب الاول /الفصل الاول- ضمن الجرائم " الواقعة على امن الدولة الخارجي" وتحديدا المادة 118/ 2.

2.توسع المشرع في دلالات هذه الجريمة واطلقها وذلك خلافا لما هو منصوص عليه في قانون العقوبات؛ إذ أن الركن المادي في هذه الجريمة جاء مطلقا وهو القيام: "بأعمال" دون تحديد وصفها ودلالاتها؛ مما يعني إمكانية شموله لأي عمل مهما كانت صورته وفي هذا توسع غير محمود. كما أن هذه الجريمة تعد من جرائم الخطر التي لا يتطلب المشرع ان تتحقق النتيجة الجرمية وهو الامر الذي من شأنه اتساع نطاق التجريم .

3.ان المصلحة المحمية في تجريم هذا الفعل ضمن قانون منع الارهاب غير واضحة، خاصة أن المعايير الدولية المتعلقة بالارهاب لم تدرج افعال تعكير صفو العلاقات مع دولة أجنبية ضمن جريمة الإرهاب. ويثور تساؤلا هنا حول مدى انطباق وصف الافعال الارهابية على هذا الفعل ، خاصة في ظل وجود نص مماثل لهذه الجريمة في قانون العقوبات ، جاءت تحت بند الجرائم التي تمس امن الدولة الخارجي وتحديدا القانون الدولي. مع التأكيد على أن مبادئ سيراكوزا لتفسير بنود التقييد بينت ان ما يمكن اعتباره تهديدا للأمن القومي هو ما يهدد كيان الأمة ككل.

4. ان نص المادة 118/1 من قانون العقوبات يعاقب على جريمة تعكير صفو العلاقات بالاعتقال المؤقت مدة خمسة سنوات ،في حين يعاقب على هذه الجريمة في قانون منع الارهاب بالأشغال الشاقة المؤقتة ؛ وهو الامر الذي يثير تساؤلا حول فلسفة المشرع في تغيير العقوبة المنصوص عليها في قانون العقوبات، وفلسفته ابتداء في اعتبارها من الجرائم الارهابية.

4.في سابقة فريدة من نوعها ، تم الحكم بعدم دستورية نص المادة 118 /2 من قانون العقوبات من قبل محكمة استئناف عمان (وهو النص المقابل لنص المادة 3/ب من قانون منع الارهاب وذلك لعدم دستورية هذا النص).

5. أن هذه الازدواجية التشريعية تثير إشكالية تتعلق بالإحالة الى الجهات القضائية وتطرح سؤالا حول من هي الجهة صاحبة الإختصاص بإحالة الأشخاص الى القضاء النظامي وفقا للمادة(118/2) من قانون العقوبات أو إحالتهم الى محكمة أمن الدولة سندا للمادة (3/ب) من قانون منع الإرهاب.

ثالثا.الخروج على القواعد العامة الواردة في قانون العقوبات وذلك فيما يتعلق :

1.الاشتراك الجرمي

تعاقب المادة( 7/و) من قانون منع الارهاب الشريك في أي جريمة من الجرائم المنصوص عليها في القانون وبأي صورة من صور الاشتراك بما في ذلك التدخل في الجريمة او التحريض عليها او المساعدة في ارتكابها بعقوبة الفاعل الاصلي. وفي هذا توسع وخروج على المنطق القانوني واهدار لمبدأ التناسب بين الاثم الجنائي والعقوبة؛ إذ ان الافعال التي يقوم بها المتدخل – على سبيل المثال- اقل من حيث الخطورة الجرمية من الافعال التي يقوم بها غيره من الشركاء، ومما يجافي مبدأ العدالة ان يوضع الجميع على قدم المساواة في اطار التجريم. 

2.الشروع الجرمي

تعتبر المادة(7/و) الفعل المؤلف للعمل الارهابي قد قام سواء أكان هناك شروعا تاما ام ناقصا. وفي هذا خروج على الاصول العامة الواردة في قانون العقوبات. فالمشرع الجزائي رتب على انواع الشروع اثارا قانونية مختلفة خاصة من حيث العقوبة المترتبة . كما ان المشرع في قانون العقوبات لم يتطرق الى الحالة التي يعدل فيها الشخص اختياريا عن ارتكاب الفعل الارهابي وذلك لإعطاء الافراد فرصة التفكير في الرجوع عن الفعل الارهابي الذي قد يرتكب.

3.العقوبات

أ.يميل المشرع الى التشدد في العقوبات على الافعال التي تشكل افعالا ارهابية بموجب القانون . كما تضمن القانون نصا غامضا؛ إذ اشارت المادة 7/ط على ان يعاقب على كل عمل ارهابي اخر بالأشغال الشاقة لمدة خمس سنوات على الاقل .

ب. يعاقب المشرع على جريمة الترويج لأفكار لجماعة ارهابية وجريمة تعكير صفو العلاقات مع دولة اجنبية بالأشغال الشاقة المؤقتة، وهو الامر الذي يعد خروجا على مبدأ التناسب بين الفعل والعقوبة؛ إذ ان العقوبة لا بد وان تتوافق ومقدار وحجم الاثم الجنائي والا اصبحت مضارها اكثر من منافعها . كما ان هذه العقوبة مقررة هي العقوبة ذاتها المقررة لجرائم تعد اشد خطورة من الجرائم السابقة من مثل ، تقديم الاموال وجمعها وتدبيرها لاستخدامها في ارتكاب عمل ارهابي ، والالتحاق بجماعة ارهابية وهو الامر الذي يعكس عدم اخذ المشرع بمبدأ التدرج في العقوبات .

4.القواعد الاجرائية ، يتضمن القانون في المادة الرابعة خروجا عن القواعد العامة في الاصول الاجرائية. إذ أن للمدعي العام في حال ورود معلومة ذات اساس بان احدهم على علاقة بنشاط ارهابي ان يفرض رقابة على اتصالات هذا الشخص ومنعه من السفر .

ومن حيث المبدأ فان اتخاذ اجراءات اكثر تشددا لمكافحة الارهاب امر اخذت به التشريعات المقارنة، إلا ان اتخاذ اجراءات تمس وبشكل كبير بحق الافراد في الحياة الخاصة وحق الافراد في التنقل وغيرها يتطلب ان يكون هناك دلائل قد تؤدي لارتكاب اعمال ارهابية وان يتم الاشارة اليها وعدم الاكتفاء فقط بالعبارة المبهمة التي وردت في النص والمتعلقة (بوجود معلومات ذات اساس ) .


[1] .هناك اتفاقيات متخصصة ايضا جاءت لتجريم الارهاب دوليا وقد تناولت هذه الاتفاقيات جرائم بعينها، ابرزها :

  1. اتفاقية طوكيو الخاصة بالجرائم والأفعال الأخرى التي ترتكب على متن الطائرات والموقعة بتاريخ 14/9/1963.
  2.  اتفاقية لاهاي بشأن قمع الاستيلاء غير المشروع على الطائرات والموقعة بتاريخ 16/12/1970.
  3. اتفاقية مونتريال الخاصة بقمع الأعمال غير المشروعة الموجهة ضد سلامة الطيران المدني والموقعة فـي 23/9/1971 والبروتوكول الملحق بها والموقع في مونتريال في 10/5/1984.
  4.  اتفاقية نيويورك الخاصة بمنع ومعاقبة الجرائم المرتكبة ضد الأشخاص المشمولين بالحماية الدولية بمن فيهم الممثلون الدبلوماسيون والموقعة في 14/12/1973.
  5.  المعاهدة الدولية ضد اختطاف واحتجاز الرهائن والموقعة في 17/12/1979.
  6.  اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لسنة 1982 ما تعلق منها بالقرصنة البحرية.
  7.  المعاهدة الخاصة بالحماية المادية للمواد النووية والموقعة في فيينا عام 1979.
  8. البروتوكول الإضافي إلى معاهدة قمع الأعمال غير المشروعة ضد سلامة الطيران المدني والخاص بقمع أعمال العنف غير المشروعة في المطارات التي تخدم الطيران المدني والموقع في مونتريال في عام 1988.
  9.  البروتوكول الخاص بقمع الأعمال غير المشروعة التي ترتكب ضد سلامة مساحات معينة من الجرف القاري، والموقعة في روما عام 1988.
  10.  المعاهدة الخاصة بقمع الأعمال غير المشروعة الموجهة ضد الملاحة البحرية والموقعة في روما عام 1988.
  11.  المعاهدة الدولية بقمع التفجيرات الإرهابية (نيويورك 1997).
  12.  المعاهدة الخاصة بوضع علامات على المتفجرات البلاستيكية بغرض الكشف عنها (مونتريال 1991).

 

[2] . المادة الثانية ، اتفاقية قمع تمويل الارهاب .

[3] .المادة الثانية من قانون منع الإرهاب.

[4] .في هذا السياق يمكن إيراد أمثلة على حالات كثيرة رصدها المركز لاشخاص تم توقيفهم ومحاكمتهم أمام محكمة أمن الدولة فقط بسبب اطلاق هتاف في مسيرة، او مشاركة منشور على الفيسبوك، او كتابة صحفي لاحدى المقالات وغيرها من الحالات التي صنفت كجرائم ارهابية وتمت محاكمة الافراد فيها بموجب قانون منع الارهاب.

[5] .المادة الثالثة من قانون منع الإرهاب.

[6] .رصد المركز العديد من الحالات التي تم توقيف ومحاكمة الاشخاص فيها بناء على مشاركته منشور على الفيس بوك او كتابة خبر في احدى الصحف او تداول فيديوهات او التعليق وغيرها مما عد ترويجا لافكار جماعة ارهابية وذلك بالنظر الى اتساع مدلول المصطلح.

[7] . هذا المصطلح لغويا يعني ، روج الشيء ،جعله منتشرا؛ اي يكثر الطلب عليه.

[8] . في اللغة يعني مصطلح "الدعم " ، دَعَمَ الشيءَ يَدَعَمُه دَعْماً: مال فأَقامه. والدَّعْمُ أن يميلَ الشيء فَتَدْعَمَهُ . معجم لسان العرب.


الدكتورة نهلا المومني

مديرة إدارة التشريعات

المركز الوطني لحقوق الإنسان